أمام الجهات التشريعية الان فرصة ذهبية لاصدار قانون شامل ومتكامل لقانون الأحوال الشخصية في مصر..وهو امل كانت تتوق اليه النفوس والعقول منذ بدايات القرن الماضي وتحديدا منذ العام 1915حين شكلت لجنة لوضع تقنين لاحكام الأحوال الشخصية ولكنها للأسف لم تنته الى النتيجة العملية المرجوة .. ولم تفلح محاولات المعالجة والترقيع المتتابعة بعد ذلك على مدار الأعوام والسنين واختلاف المجالس النيابية والبرلمانية..
وهي محاولات كانت محملة ومثقلة بهموم أخرى كانت تعرقل الوصول الى الغاية المرجوة في ظهور قانون عادل وشفاف يعالج كل الأخطاء والخطايا التي تكبل الحياة الاجتماعية وخاصة على صعيد الاستقرار الاسري في المقام الأول..
كانت كل المحاولات السابقة تصطدم في اللحظات الأخيرة بشيء ما يعوق مسيرتها ويمنعها من استكمال المهمة بعد ان تكون قطعت شوطا كبيرا مثلما حدث في العام 1936 حين دعت وزارة العدل الى تشكيل لجنة من كبار العلماء للمهمة لكنها لم تنجز كل جوانب القانون الشامل واتمت عملها فقط في الجوانب المالية..وكذلك الامر في العام 1956 الفت عدة لجان لتبديل القوانين المصرية ومنها الأحوال الشخصية لكنها لم تنجز المهمة..
وفي 21 يونيو 1979 صدر قرار جمهوري بتعديل بعض احكام قانون الأحوال الشخصية الذي اثار جدلا كبيرا قبل اصدار القانون وبعده خاصة وانه صدر في غيبة مجلس الشعب وقبل ان يعود المجلس للانعقاد بثمانية واربعين ساعة فقط!
بات معروفا انه في حقبة السادات ومبارك شهدت تدخلات مزعجة على صعيد الأحوال الشخصية ويكفي الإشارة هنا الى ما عرف حينها بقوانين جيهان وسوزان كعلامة قوية على ما حدث من محاولات كان هدفها الرئيسي الانتصار للمراة ومحاولة انتزاع حقوق خاصة بها في مواجهة الرجل ..
وهنا مربط الفرس حقيقة ولب الازمة في النظر الى قضايا الاسرة عموما والتعامل معها بمنطق الصراع والصدام بين الرجل والمراة وليس بمنطق التكامل فيما بينهما وان الرجال شقائق النساء والحياة مودة ورحمة وان الخلاف لا يعني تجريد طرف من كل شيء حتى رجولته وكان من نتيجة ذلك تغذية التوجهات نحو إظهار الرجل بمظهر المفتري الذي يجب قصقصة ريشه واجنحته ومنح المراة حقوقا وامتيازات ولو بغير حق جردت الرجل من كثير من سلطانه وسلطاته حتى انه مع اول فكرة للطلاق يفقد كل شيء ويجد نفسه ملقى على قارعة الطريق بلا أي حقوق لا شقة ولا مسكن ولا أولاد وحتى النفقة أيضا ..
غاب العقل او تم تغييبه في حالة الصدام الحاد بين جماعات المراة الجديدة وما يدور في فلكها وقوى اجتماعية أخرى بل ودينية أيضا بما فيها المؤسسة الدينية الرسمية..وفي خضم حالة الصدام استنجدت جماعات المراة الجديدة باطراف في السلطة التنفيذية والتشريعية لم تجد حرجا في الاستجابة للضغوط وتمرير مالا يمكن قبوله عقلا او نقلا..وهي مرحلة كانت بالغة الحرج واساءت للكثيرين وكان من نتيجتها العوار البين في بعض التشريعات التي تضطرنا الان لاجراء التعديلات وإعادة البوصلة الى الاتجاه الصحيح..
أتصور الان الصورة مختلفة كثيرا هناك رغبة وإرادة سياسية حقيقية لاصدار قانون شامل يعالج كل الثغرات ليس فقط على صعيد المسلمين فقط بل أيضا يشما الأحوال الشخصية لاصحاب الديانات الأخرى ووضع حد للمشكلات التي يعانون منها على مدى عقود بلا حل..
يزيد من التفاؤل ان مواد القانون لم تجهز على عجل بل كان هناك حالة من النقاش المجتمعي من جانب المهتمين بالاحوال الشخصية وكان هناك العديد من المبادرات القانونية على هذا الصعيد.. أيضا وهو الاهم ما قامت به لجنة الخبراء التي شكلتها وزارة العدل من قضاة ومستشاري محاكم الاسرة
والتي عكفت على مدى سنوات لدراسة المواد والاقتراحات المختلفة التي تلقتها من الجهات المختصة وغيرها فيما يتعلق بمواد القانون والرؤية القانونية الواجبة..
نقطة مهمة أخرى ان جماعات المراة الجديدة قد فقدت كسرت شوكتها ووفقدت الكثيرمن قدراتها على التاثير بعد الضربات التي تلقتها سواء على صعيد التمويل الأجنبي والدعم الغربي لنشر أفكار بعينها.. وأيضا حالة الوعي والانكشاف لكثير من الأفكار الغريبة والشاذة لضرب استقرار ومفهوم الاسرة التي حاولوا تصديرها الى المجتمعات العربية والإسلامية مثل السنجل مازر او الانجاب خارج اطار الزواج والمساكنة وسترونج ويمن وغيرها..
أيضا أتصور ان المؤسسة الدينية وخاصة الازهر الشريف حاضر بقوة لتجنب أي خلل او عوار يتناقض مع أصول الشرع الحنيف أي ضبط الرؤية الشريعة لبعض الأفكار الشاردة او الجانحة او التي تغرد خارج السرب بلا ضابط من قيم او اخلاق..
من ذلك على سبيل المثال محاولة الالتفاف لتمرير فكرة المساكنة بطريقة ما او ما سمي بزواج التجربة مثلما يشاع من جدل حول أنَّ المادة السابعة من مشروع القانون «منحت المرأة حقَّ طلب فسخ عقد الزواج قضائياً خلال مدة لا تتجاوز 6 أشهر من تاريخ إبرام العقد إذا ثبت أنَّ الزوج ادَّعى لنفسه صفات غير حقيقية وتزوَّجته على هذا الأساس وذلك بشرط عدم وجود حمل أو إنجاب».وقيل إنَّ النصَّ يأتي بوصفه «آلية قانونية لحماية الطرف المتضرِّر من التدليس وتمكينه من إنهاء العلاقة سريعاً قبل تفاقم آثارها». ويتناسى هؤلاء ان «تحديد مدة لطلب فسخ عقد الزواج لا يتوافق مع ما استقرَّ عليه الفقه الإسلامي الذي يجيز الفسخ فور ثبوت الغش دون اشتراط مدة معينة».
هناك جدل كثير مثار حول ملحقات عقد الزواج الجديد وما به من شروط ووثيقة التامين وما يتعلق بامور الخطبة وغيرها وهي أمور تحتاج الى بيان واضح لا لبس فيه ولا مانع من التوعية بكل السبل المباشرة وغير المباشرة ليكون المجتمع بأكمله على بينة من امره..
الاسرة تحتاج الى تأمين ديمومة الحياة والاستقرار..لا ان نركز على تأمين الطلاق فقط الامر الذي قد يصيب الشباب بصدمة او عقدة تجعله يحجم عن فكرة الزواج لا ان يسارع الى الارتباط وتحصين نفسه والسعي لبناء اسرة امنة مستقرة يحقق معها حلم المستقبل..
والله المستعان..
megahedkh@hotmail.com










