بين وعد “لن تتكرر المحرقة” وكذب الناجين: كيف يقود المتشددون إسرائيل إلى حتفها؟ في احتفالية سنوية مهيبة، وقف بنيامين نتنياهو ليخاطب حاملي الشعلة من ناجي المحرقة، وقال كلمته التي يحفظها عن ظهر قلب: “شكراً لحضوركم المؤثر، أنتم الذين تحملتم معاناة كبيرة وشاركتم في بناء إسرائيل. اليوم نواجه أعداءنا ونمنع مخططاتهم، بفضل قوة إسرائيل غير المسبوقة وتعاونها مع قوى كبرى. هذا تحول كبير يؤكد أن الشعب الإسرائيلي قوي وفاعل، ولن تتكرر المحرقة” .
لكن وراء هذا الخطاب المهيب، تختبئ حقيقة أكثر إيلاما: نتنياهو نفسه هو الذي يكرس السردية التي تحول المحرقة من درس في “التمكين اليهودي” إلى أداة لتبرير الفشل وإعفاء حكومته من المسؤولية. فكما يكتب الباحث والمؤرخ عيديت أفرام، ابنة الناجي من المحرقة وأم الأسير في غزة: “استدعاء المحرقة يحجب كيف فشلت إسرائيل في حماية ابني الأسير في غزة” . الأولاد الذين قتلوا في السابع من أكتوبر لم يكونوا ضحايا حماس فقط، بل كانوا ضحايا “انهيار نظام الأمن الإسرائيلي بأكمله” الذي آمن الجميع بأنه سيصل إلى الكيبوتسات خلال دقائق من أي خرق للسياج.
نتنياهو هو “المسامير” التي تثقب بدن السفينة الصهيونية. وهو مع المتشددين الذين يصرخون “لن تتكرر المحرقة” وهم يفعلون كل شيء لتكرارها بطريقة أخرى، لا عن طريق النازيين بل عن طريق العزلة الدولية والتطرف الديني والانقسام الداخلي الذي يجعله الهلاك.
هذا المقال ليس عن السياسة الإسرائيلية اليومية، بل عن الجذور الدينية والفلسفية التي يستخدمها نتنياهو وحلفاؤه لتبرير مسارهم الانتحاري. إنه رحلة في “التلمود” الذي لم يكن أبداً كتاب أخلاق كما يُصوَّر، بل كان خزاناً للأساطير التي تبرر التطرف، ونافذة على عقلية “المسامير” التي تثقب السفينة بدلاً من إصلاحها.
السفينة التي لا تغرق: قصة اللوح الخشبي بين الأسطورة والواقع
يُحكى في التلمود البابلي أن رابان غمالئيل كان مسافراً على سفينة، فرأى سفينة أخرى قد تحطمت، وحزن على أحد ركابها الذي ظن أنه الحاخام عكيفا. ثم فوجئ بعكيفا حياً يرقد أمامه في الدراسة. سأله رابان غمالئيل: “من أخرجك من الماء؟” قال عكيفا: “داف (لوح خشبي) من السفينة جاء إلي، وانحنيت أمام كل موجة وموجة حتى عبرتها” . وكأن النجاة لم تكن بفضل الله، بل بفضل “لوح خشبي” يطفو على سطح الماء.
هذا اللوح هو “التلمود” نفسه. دراسة الصفحة اليومية هي “داف” التي تطفو. وحاخامات إسرائيل يفسرون الأسطورة: “الأمواج هي أعداء إسرائيل، والرمل الذي لا تستطيع الأمواج تجاوزه هو إسرائيل، والأمواج لا تتعلم من فشل سابقاتها” . هذه هي العقلية: “نحن الأبديون، وكل من عادانا سيهلك، وما علينا إلا أن نخفض رؤوسنا وننتظر حتى تمر العاصفة”.
لكن السفينة التي وصفتها الأسطورة لا تشبه سفينة نتنياهو. ففي رواية أخرى، حين غرق تاجر السفينة، قال له الرب: “أنت أغنياء أغنياء، ثروتك طفت بسفينتك”. وفي التلمود نفسه، يُذكر أن الأمواج تفصل بينها 300 فرسخ، وارتفاع الموجة 300 فرسخ . أي أن الأمواج هي التي تحكم، لا السفينة ولا الربان.
ما يفعله نتنياهو هو أنه يتصرف كقبطان سفينة يثق بأن سفينته لا تغرق، فيقودها بتهور نحو الجبال الجليدية. وهو يصدق أنه مثل عكيفا، سيأتي “اللوح” لينقذه في اللحظة الأخيرة. لكن هذا اللوح هو “التلمود” الذي يبرر له “مسامير” التطرف.
مسامير التلمود: القسوة كفضيلة في المدرسة الحاخامية
في التلمود (بابا ميتسيا 62أ)، تُطرح قصة أخلاقية: شخصان في صحراء، معهما كمية ماء تكفي لواحد فقط ليصل إلى الحضارة. السؤال: هل يتشاركان ويموتان معاً، أم يشرب صاحب الماء وحده لينجو؟ الحاخام عكيفا يقرر أن صاحب الماء هو الذي يشرب، لأن “حياتك تقدم على حياة غيرك” . هذه القاعدة، التي تسمى “حايا شيلخا كودمين” (حياتك أولاً)، هي أساس الأخلاق التلمودية.
هذا هو “المسمار” الأول: القسوة باسم البقاء. إسرائيل اليوم، تحت حكم نتنياهو، تعمل بنفس القاعدة. قطاع غزة يُحاصر، والمياه تـُنزع من الفلسطينيين، والغذاء يُمنع، والمساعدات تُعطل، والسبب: “حياتنا أولاً”. لكن هل هذا هو التلمود فعلاً؟ أم أن هناك تلموداً آخر، تلمود “الرحمة”، يقول إن مشاركة الماء هي الطريق الأخلاقي؟
نتنياهو يختار التلمود القاسي، ويترك التلمود الرحيم لأيام العطلات فقط. هذا هو “المسمار” الثاني: اختيار النصوص التي تبرر السياسة، وتجاهل النصوص التي تعارضها.
“لن تتكرر المحرقة”: من درس تاريخي إلى أداة تبرير
المحرقة هي الجرح الأعمق في النفس اليهودية. لكن نتنياهو يحولها إلى “سلاح” سياسي. في خطابه أمام الكونغرس الأمريكي عام 2015، قال: “في أيام المحرقة، كانت هناك دول عظمى تعرف ما يحدث، لكنها التزمت الصمت. اليوم، لدينا دولة يهودية قادرة على الدفاع عن نفسها” . وفي خطابه بعد 7 أكتوبر 2023، كرر: “لن تتكرر المحرقة” .
المشكلة أن استدعاء المحرقة يهدف إلى تبرير “أي شيء” تفعله إسرائيل. لو انتقدت سياسة الاستيطان، تُتهم بأنك مثل النازيين. لو طالبت بوقف القصف، تُتهم بأنك تدعم الإرهاب. لو تحدثت عن حقوق الفلسطينيين، تُتهم بأنك تتبنى “معاداة السامية الجديدة”.
هذا هو “المسمار” الثالث: إساءة استخدام المحرقة لخلق شرعية أخلاقية زائفة. لكن كما كتب أفرام: “مقارنة ما حدث في السابع من أكتوبر بالمحرقة هو إهانة لوالدي ولضحايا المحرقة الآخرين الذين لم تكن هناك دولة يهودية للدفاع عنهم” . بل إن استدعاء المحرقة هو “تلاعب ساخر بالذاكرة الجماعية لأغراض سياسية” .
التلمود نفسه يحذر من هذا التلاعب. في قصة السفينة التي تغرق، كان الحاخام عكيفا يرى أن الموجة التي تهدد السفينة ليست عدوًا بقدر ما هي “ابتلاء”. لكن حاخامات اليوم حوّلوا الموجة إلى “عدو مطلق”، والسفينة إلى “حصون منيعة”. وكلاهما أوهام.
سيناء والناصرة: لماذا يقود المتطرفون الدينيون السفينة؟
السؤال الذي لم يجب عليه نتنياهو أبداً: لماذا يصر على التحالف مع المتطرفين الدينيين؟ لماذا يمنحهم مناصب حساسة تهدد الدولة العلمانية؟ الإجابة بسيطة: لأنه يحتاجهم للبقاء في الحكم. لكن التلمود يحذر: “אל תפרוש מן הציבור” (لا تنفصل عن الجماعة). نتنياهو انفصل عن الجماعة الإسرائيلية المعتدلة، والتحالف مع من يريدون إقامة “هالاخاه” (شريعة دينية) بدلاً من دولة مدنية.
هذا هو “المسمار” الرابع: تدمير الدولة من الداخل باسم الدين. التلمود (بابا باترا 73ب) يتحدث عن “ريئيم” (حيوان ضخم) يولد بطول 400 فرسخ، ويغرق نهر الأردن بفضلاته . هذا الرمز يشير إلى “الحاخامات” الذين يغرقون الدولة بتشددهم الديني. المسيح المنتظر، كما يتخيله الحاخامات، هو من سيعيد بناء الهيكل ويكون ملكاً يهودياً يحكم العالم. لكن السفينة الصهيونية لا تحتاج إلى مسيح، بل تحتاج إلى قبطان عاقل.
في قصة تي在天 (تسور) في سفر حزقيال، كانت السفينة غنية جداً لدرجة أنها بدأت تغرق من ثقل بضائعها . نتنياهو يغرق سفينته بـ “بضائع” المتطرفين الذين يثقلونها، بينما يظن أنهم “اللوح” الذي سينقذها. السفينة لا تغرق بالأمواج، بل بثقوب يصنعها طاقمها بنفسه.
مسامير نتنياهو: ثلاث جرائم في حق السلام والوجود
نهاية إسرائيل لن تأتي من صواريخ إيران أو مقاطعة العالم، بل من مسامير يطرقها نتنياهو في بدن السفينة:
المسمار الأول: تدمير العلاقة مع أمريكا. إدارة بايدن أو ترامب، كلاهما يشعر بالإحباط من سياسات نتنياهو المتعنتة. “الشرط” الأمريكي لإسرائيل هو “الاعتدال”، لكن نتنياهو يقدم التطرف. إذا انهارت العلاقة مع أمريكا، تنهار السفينة.
المسمار الثاني: تدمير الوحدة الداخلية. قبل 7 أكتوبر، كانت إسرائيل على حافة حرب أهلية بسبب “الإصلاح القضائي”. بعد 7 أكتوبر، تم تجميد الانقسامات مؤقتاً. لكنها عادت لتشتعل بقوة. اليسار يتهم اليمين بالفاشية، واليمين يتهم اليسار بالخيانة. والتلمود يقول: “כל מחלוקת שהיא לשם שמים, סופה להתקיים” (أي خلاف يكون لوجه السماء، مصيره أن يدوم). لكن خلافات نتنياهو ليست لوجه السماء، بل لكرسي الحكم.
المسمار الثالث: تدمير صورة إسرائيل في العالم. إسرائيل كانت دائماً “الدولة اليهودية الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”. اليوم، هي “دولة الفصل العنصري” في نظر نصف العالم. نتنياهو لا يهتم، لأنه يعتقد أن القوة وحدها تفرض الاحترام. لكن القوة دون أخلاق، تدمر نفسها بنفسها.
الخلاصة: السفينة تغرق.. والطاقم يتجادل حول شرعية الموجة
نتنياهو هو العدول الأول لإسرائيل. هو من حول المحرقة من “درس في التمكين” إلى “أداة تبرير”. وهو من فتح ثقباً في السفينة باسم “القوة”، بينما الحاجة كانت إلى حكمة. والمتشددون الذين يقودهم، يطرقون مسامير أخرى بأسمائهم الدينية، ظانين أنهم يعززون السفينة وهم يخترقونها.
السؤال ليس “هل ستغرق السفينة؟” بل “متى ستغرق؟”. نتنياهو يصرخ “لن تتكرر المحرقة”، لكنه يجعل من “تكرار السابع من أكتوبر” أمراً شبه مؤكد. فهو لا يحمي إسرائيل، بل يجعلها أكثر عرضة للخطر. إسرائيل التي لا تحمي أطفالها في كيبوتساتها، ولا تفرق بين ضابط وجندي، ولا تسمع صوت الأب الذي فقد ابنه الأسير، هي إسرائيل التي تخون وعد “لن تتكرر المحرقة”.
التلمود يروي أن الحاخام عكيفا نجا لأنه “انحنى أمام الموجة”. ربما حان الوقت لنتنياهو أن ينحني أمام موجات الواقع: الموجة الفلسطينية التي لا تختفي، الموجة الدولية التي تتغير، والموجة الداخلية التي تتمزق. لا يخجل القبطان من تغيير المسار. الخزي الحقيقي هو أن يقود السفينة نحو الهلاك وهو يظن أنه يقودها نحو الخلاص.
“سمتي حُولَ جيفول لَيَام” (جعلت الرمل حداً للبحر) يقول الرب في سفر إرميا. الرمل هو إسرائيل. لكن الموجة التي صنعها نتنياهو أقوى من الرمل. وهي على وشك أن تجرفه بالكامل.










