وداعا قبطان الكلمة
مرساة ترحل.. وموجة لا تؤوب
في وداع سادن الحرف الشاعر الكبير: السيد أحمد محمد الخميسي
حين يرحل شاعرٌ بقامة الأستاذ السيد أحمد محمد الخميسي، لا نقول غابَ الموتُ في ثناياه، بل نقول: انكسرَ في بحر الإبداع مجداف، وهدأت عاصفةٌ كان يتردد صاخبُها في محابر الزمان. من رحم بورسعيد الباسلة، ومن زقاقٍ يسكن الذاكرة في “شارع كسرى، حارة 1947″، ولد هذا السندباد الأدبي؛ ليكون للبحر رفيقًا، وللساحل حارسًا، وللكلمة وطنًا لا ينطفئ.
لقد تشربت روحه ملوحة البحر العظيم، واستمدت قريحتُه صلابة الشواطئ التي واجهت الأنواء، فجاءت كلماته كالأمواج: تارةً تداعب رمل الفكر بلين، وتارةً تضرب صخر السكون بقوة وتحدٍّ.
من فيض الساحل إلى منارات العلم
لم يكن الراحل الكبير مجرد عابرٍ في مدن الأدب، بل كان قبطانًا تخرج في “كلية الآداب بجامعة القاهرة”، ليعود إلى ثغر بورسعيد والوطن محملًا بكنوز المعرفة. وفي محراب التدريس والتوجيه، ألقى شباكه ليصطاد لآلئ العقول، فخرّج أجيالًا تشربت منه حب اللغة وقيم الجمال، فكان لهم النورس الهادي في ظلمات الحيرة، والمعلم الذي يزرع في شواطئ الصدور غراس الفضيلة والمعرفة.
وفي مجتمع الكلمة، كان ساريةً يلتف حولها المبدعون؛ تولى رئاسة “نادي أدب بورسعيد”، وحمل لواء العضوية في “اتحاد كتاب مصر”، و”أتيليه القاهرة”، فضلًا عن دوره في أمانة “مؤتمر مصر العام”، ورئاسته لـ”مؤتمر بورسعيد لليوم الواحد”. لقد كان بوصلةً ثقافية تُوجّه السفن الحائرة نحو شواطئ الإبداع الحقيقي.
محارات أثمرت لؤلؤًا: التراث الإبداعي
رحل الجسد، لكن السفينة تركت وراءها أسطولًا من الدرر التي لا تبلى، دواوين ومؤلفات تشهد على عمق المحيط الذي غاص فيه:
«نصغي ويقول الموج» (1987): حيث بدأت التمتمة الأولى مع البحر، والإنصات العميق لوشوشات الشواطئ.
«الرقص الغجري» (1988) و«من مقامات الرحيل» و«مهاجر»: رحلة الحرف في الترحال والبحث عن مرافئ الدهشة.
«طرح الحروف»: حين انحاز الساحل لعاميته العذبة فجاء الشطآن بالثمر الطيِّب.
«سيف المتنبي»: مسرحية شعرية استلّ فيها سيف الفصاحة وسط أمواج التحدي.
المشروع السردي الخالد «البشروش»: تلك الرواية التي عبرت خمسة أجزاء، من “تجليات أدبية” بالهيئة العامة لقصور الثقافة، وصولًا للجزء الخامس «البشروش صومعة الخميسي» عن دار الأدهم. والبشروش؛ ذلك الطائر المهاجر الذي يشبه الشاعر في حله وترحاله، وفي كبريائه المعلق بين السماء والماء.
هذا العطاء الباذخ لم يكن ليمر دون أن تلتفت إليه قمم النقد؛ فقد قدمه الدكتور محمود الربيعي في العدد السادس والسبعين للسنة الأولى، وكتب عنه بمداد الإعجاب الشاعر الكبير أحمد عبد المعطي حجازي، والشاعر الكبير إبراهيم أبو سنة، اعترافًا بجمال صوته الشعري وفرادة لغته.
رفاق الشاطئ وأمواج الوفاء
إن الشاعر لا يبحر وحيدًا، وقد كان “الخميسي” محاطًا بقلوبٍ كالمرافئ الآمنة. فمن بورسعيد، شاركه الملح والكلمة رفاق الدرب: محمد الخولاني، حامد البلاسي، عبد الفتاح البيه، إبراهيم أبو حجة، أحمد عبد الحميد، إبراهيم الباني، ومحمد عبد القادر. وامتدت شباك مودته إلى خارج الثغر، ليرتبط بأرواح مبدعة تركت أثرها في ساحات الثقافة العربية: محمد الشهاوي، سمير الفيل، أحمد سويلم، مسعود شومان، حجاج الباي، حمدي سليمان، حسانين السيد، ويسري العزب.
وعلى ذات الشاطئ، ترك الراحل امتداده من التلاميذ الذين نبتوا على يديه وصاروا يحملون المشعل من بعده، وفي مقدمتهم: السيد منصور والسيد السمري.
وداعًا يا قبطان الكلمة
يا أيها البحر الساكن في عيون بورسعيد.. ويا أيها الساحل الذي يبكي اليوم حارسه..
لقد ترجل الفارس، وعاد “البشروش” إلى صومعته الأخيرة، تاركًا لنا “مقامات الرحيل” نرتلها كلما اشتقنا إلى زمن الشعر الجميل. نم مستريحًا يا أبا الحروف الطاهرة، فقد أرسيت سفينتك في ميناء الخلود، وسيبقى موجك يقول.. ونحن نصغي.











