لايزال العالم الإسلامي في غيبوبة بعيدا عن الاسرار والقوة الكامنة في الحج باعتباره احد اركان الإسلام الخمسة.. حتى الان يمرون عليه مرور الكرام والنظر الي الرحلة على انها تسقط الفريضة يذهبون ويعود دون ولايستشعرون ما وراء التكليف والاوامر الصارمة في افعل ولا تفعل والالتزام بنظام صارم في الحركة وكيفية أداء المناسك وحتى الحركة الشخصية والجماعية في ارض المشاعر وانه لارفث ولا فسوق ولاجدال في الحج..
للاسف الشديد اصبحنا نتعامل مع الحج بمنطق التجارة والسياحة يشهد بذلك الفوارق المهولة في التكلفة حتى ان الرحلة وصلت هذا العام فوق النصف مليون جنيه في المتوسط وبتنا نسمع العجب العجاب عن المخيمات ذات النجوم العشرة وحالات الترف الباذخ وكأن الناس في رحلات على الشواطئ السياحية وما يتبعها من قوائم للطعام والشواء وكل ما لذ وطاب..
اعجبني خطيب الجمعة في مسجد نصر الإسلام بشبرا الخيمة حين توقف عن المعنى الحقيقي للحج والتوجه الى بيت الله الحرام ودلالات ان يقف ملايين المسلمين على صعيد واحد في أوقات محددة يرددون هتافا واحدا لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك..ان الحمد والنعمة لك لبيك..لا شريك لك..
اللفتة الجميلة وربما الغائبة عن فهم هذا الموقف الذي يرتدي فيه الجميع من مختلف الجنسيات والاشكال والاعراق ملابس الاحرام ويكشفون عن كتفهم الايسر ويصلي هؤلاء الملايين خلف امام واحد في وقت واحد وايام معدودة..هذا الامر ليس عبثا وانما هو الرسالة العظمى المقصودة بان هذه امتكم امة واحدة…انها الدعوة والتاكيد على الوحدة..
يفسر الشيخ فاروق ان الغرض من هذا المشهد النادر الذي لا يتكرر ولا يوجد في أي امة هو ان يرى أعداء الإسلام قوة المسلمين ومدى الترابط بينهم وانه لافرق بين مسلم واخر في أي مكان وان الجميع على قلب رجل واحد..
توقفت كثيرا امام لمحات خطيبنا وقلت:هل يعي المسلمون تلك المعاني خاصة في هذه الأيام العصيبة التي يمر بها المسلمون وقد تكالبت عليهم السباع والضباع من كل حدب وصوب واصبحوا يتندرون على الحج ويقولون ولو على سبيل المزاح -وهم لا يعرفون مزاحا- نحن شركاء في أموال الحج ولنا فيها نسبة او حق معلوم!
من المفارقات العجيبة ان تلك المعاني السامية والاسرار الكامنة في الحج ادركها مبكرا أعداء الإسلام واجروا الكثير من الدرسات العلمية حول الفريضة واوصوا بضرورة اجهاضها باي طريقة و كان من بين المقترحات: تعظيم او تصعيب أدائهاعلى معظم المسلمين والحيلولة دون اجتماع العدد الأكبر منهم..وأيضا التخويف من ان الاجتماع الكبير يسمح بمزيد من الامراض والعدوى..
الأهم من كل هذا العمل على تفريغ الفريضة من مضمونها باختراع أنواع متعددة من الحج..حج للفقراء وحج لاصحاب الملايين والثروات حج الفخفخينا ويتنافس عليه المليونيرات واشباههم من الباحثين عن خدمات عشر نجوم حتى في المشعر الحرام!!
هناك العديد من الدراسات قديما وحديثا اكدت ان المستشرقين والدوائر الاستعمارية راوا في “الحج” خطراً استراتيجياً يهدد مشاريع الهيمنة الغربية واعتبروه رمزاً سياسياً موحداً للمسلمين.وقد تُرجم هذا الخوف إلى استراتيجيات لمحاربة الفريضة وتقليل الإقبال عليها..
فالحج مشهد مناقض لكل ما تريد الهيمنة الغربية أن تحققه ولذلك فإنه يثير حنقهم كما تشي بذلك كتاباتهم كما يقول كثير من المفكرين..لان عبادة الحج في أصلها وجوهرها تذكير دائم بمعنى الأمة.. ذلك المعنى الذي لطالما هفت نفوس الغربيين وعملاؤهم إلى اجتثاثه من النفوس لزرع ولاءات أخرى تكون أعظم منه كالوطنية والقومية والإقليمية واللغوية والعرقية وسائر التقسيمات..
موسم الحج يذكرنا بوصف قرآني وصف الله تعالى به الأمة بقوله سبحانه:«إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُون».كما يقول د. محمود الهواري الأمين العام المساعد للدعوة والإعلام ومن مظاهر الوحدة في موسم الحج التذكير السنوي بمعنى الأمة فهذه الألسنة واللغات والألوان والصفات والأفكار والعادات كل هذا التنوع لم يبق له أثر مع هذه العبادة فالحج مناقض للتقسيمات يجمع الأمة ويعيد ربطها بمصادر عزها حيث يجتمع المسلمون من أقطار الأرض حول البيت العتيق الذي يتجهون إليه كل يوم خمس مرات، البيت الذي يقصدونه بقلوبهم وأفئدتهم في صلواتهم في بلادهم المترامية ها هم الآن يجتمعون حوله وقد خلعوا ملابسهم وتجردوا معها من عاداتهم وأفكارهم واحتكموا إلى الله وإلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
اعجبني قول القائل :إن الحج فريضة إسلامية تقاوم كل ما أريد أن يُغرس في الأمة ويرسخ فيها قسرا وقهرا وهو فريضة تذكر الأمة بما أريد لها أن تنساه فلا يزال الحج يُقاوم التقسيم ويذكرها بأنها أمة واحدة ولا يزال يقاوم الأفكار التي تجعلها أقواما وأعراقا ويذكرها بأن هويتها الإسلام، لا يزال يقاوم ما ينشب بينها من الخلافات ويذكرهم بالألفة ووحدة المسار والمسير المصير، لا يزال يقاوم صناعة الأعداء الوهميين وتسويقهم فيها ويذكرهم بأن عدوهم الشيطان لا يزال يقاوم ما يراد لهم من الانهمار على الدنيا واتباع الشهوات ويذكرهم بمشهد الكفن والحشر يوم القيامة.
لا يمكن ان ننسى هنا ما قاله المستشرق الألماني باول شمتزفي كتابه الشهير الإسلام قوة الغد العالمية وشرح فيه أسباب القوة الكامنة في الإسلام وانها ترتكر على ثلاثة قواعد:القران الكريم والحج والقوة البشرية..شيمتز حذر العالم الغربي من «إن انتفاضة العالم الإسلامي صوت نذير لأوروبا وهتاف يجوب آفاقها.. ودعا إلى التجمع لمواجهة العملاق الإسلامي الذي بدأ يصحو وينفض النوم عن عينيه!!
** الكولونيل البريطاني رونالد فيكتور بودلي: “الحج أعظم شاهد على ديمقراطية الإسلام فهناك يجتمع المسلمون الأوربيون والآسيويون والإفريقيون والصعاليك والأمراء والتجار والمقاتلون في نفس الإزار البسيط الذي كان النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأتباعه يرتدونه في حجة الوداع عام (632هـ) إنهم جميعًا يتناولون نفس الطعام ويتقاسمون نفس الخيام ويُعَامَلُون دون تمييز سواء أجاءوا من مرافئ سيراليون أم من قصر نظام حيدر أباد إنهم جميعًا مسلمون”.
والله المستعان..
megahedkh@hotmail.com










