في هذه الصورة أجلس على كرسي وثير وأنيق، وخلفي ورود زهرية تتسلق حيث تشاء، في مطعم تتنافس زواياه وجلساته في السحر، حتى يخيل إليك أن لكل ركن فيه حكاية تخصه وحده.
كان اسمه: «أسرار آدم».
ولعلكم تستغربون وصفي للمطعم بأنه وسيم وأنيق، فهذه المفردات لا تُمنح عادةً للجمادات، بل للكائنات الحية.
لكن بعض الأماكن تمتلك حضوراً يشبه حضور البشر؛ تدخلها فتشعر أن لها روحاً خاصة، وملامح تميزها عن سواها، تماماً كما نميز الوجوه التي نحبها وسط الزحام.
أما اسم المطعم فكان يثير فضولي دائماً.
ما هي أسرار آدم؟
ترى، هل توجد أسرار حقيقية تغفل عنها المرأة؟
لا أظن.
فالمرأة تلتقط ما لا يراه كثيرون. تلاحظ النملة وهي تشق طريقها بين شقوق الأرض، وتقرأ ما تخفيه العيون قبل أن تنطق به الشفاه.
لكنها أحياناً تتغافل.
ليس جهلاً، بل حباً.
فبعض الحقائق حين نحب، نتركها نائمة في الظل كي لا تفسد علينا دفء اللحظة.
آخر مرة ذهبت فيها إلى مطعمي الأثير «أسرار آدم»، وجدته مغلقاً.
بل لم يكن مغلقاً فحسب، وإنما متلاشياً بالكامل، كأنه لم يكن يوماً هنا.
اختفت الطاولات، والأرائك، والورود، والأنوار الدافئة.
اختفى كل شيء.
حتى الاسم الذي كان يرحب بالداخلين من بعيد لم يعد له أثر.
وقفت أمام المكان طويلاً أتأمله في صمت.
أحاول أن أجد في الفراغ شيئاً من ملامحه القديمة.
أستعيد الكراسي الوثيرة، والزوايا الحميمة، والطاولات التي شهدت أحاديث طويلة، وضحكات مرتجلة، وصمتاً كان أبلغ من الكلام أحياناً.
وطافت الذكريات أمامي كأوراق شجر يابسة فوق صفحة نهر جارٍ؛ تحملها الريح برفق، فتمر أمام العين لحظات، ثم تمضي بعيداً حيث لا تصلها اليد.
ذكريات صغيرة وعادية في ظاهرها.
كلمات قيلت على عجل.
فنجان قهوة برد قبل أن يُشرب.
ضحكة خرجت من القلب دون استئذان.
لحظة دفء قصيرة.
نظرة عابرة.
تفاصيل لا يلتفت إليها أحد، لكنها حين ترحل تكتشف أنها كانت تشكل جزءاً من روحك.
تأملت المكان الخالي، وعجبت من قدرة الحياة على محو الأشياء.
كيف يمكن لمكان كان يعج بالحياة أن يختفي هكذا؟
وكيف يمكن لصرح متفرد بجماله أن يتحول إلى فراغ صامت بين ليلة وضحاها؟
ربما لأن صاحبه لم يعد يرى فيه ما كان يراه سابقاً.!!
وربما لأن لكل الأشياء عمراً خفياً لا نعرفه.!!
عمراً ينتهي بصمت، بينما نظل نحن نظن أنها باقية.
لكن ما أثار دهشتي أكثر من اختفاء المطعم نفسه، هو التوقيت.
التوقيت الذي اختار فيه «أسرار آدم» أن يختفي من المكان، كان هو ذاته التوقيت الذي اختفت فيه أشياء أخرى من حياتي.
أشياء لا تُرى بالعين.
أحاديث اعتدت سماعها.
خطوات ألفتها الذاكرة.
ضحكات كانت تمر خفيفة فتترك خلفها نهاراً أكثر إشراقاً.
وألفة كنا نظن أنها ستبقى أطول مما بقيت.
عندها أدركت أن بعض الأماكن لا تسكن المدن، بل تسكننا نحن.
وحين ترحل، لا تترك خلفها جدراناً فارغة فقط، بل تترك غرفاً كاملة مهجورة في القلب.
واليوم، كلما مررت بذلك المكان، لا أفكر في المطعم بقدر ما أفكر في هشاشة الأشياء الجميلة.
في تلك الأشياء التي نعيشها مطمئنين إلى وجودها، ثم نكتشف فجأة أنها كانت عابرة أكثر مما تصورنا.
ومع ذلك.
بعض اللحظات، مهما قصرت، تستحق أن تُعاش.
وبعض الذكريات، مهما ابتعدت، تظل تضفي على العمر شيئاً من المعنى.
أما «أسرار آدم»، فقد أخذ أسراره معه ورحل.
وترك خلفه وردة تتسلق نحو الضوء، وكرسياً فارغاً، وذكرى هادئة تخبرني كلما مررت من هناك:
أن الأشياء الجميلة لا تخلد ببقائها، بل بالأثر الذي تتركه في أرواحنا.










