ما أراه أن أخطر ما يحدث اليوم ليس،هو الخلاف حول نوع طعام أو دواء أو حمية، وإنما تحوّل الجهل نفسه إلى مشروع جماعي يُقدَّم للناس على أنه وعي وتمرد واكتشاف للحقيقة.
في الماضي كانت الدول تُستنزف عبر الشوارع؛ فوضى، صدامات، وانقسامات سياسية. أما اليوم فالمعركة أكثر هدوءًا وأشد خطورة، لأنها تدخل إلى العقول مباشرة.
هذه ليست مجرد موجة تشكيك عابرة، وإنما ما يشبه الجزء الثاني من ثورات الربيع أو الخريف العربي، لكن بثوب طبي وصحي.
ثورة لا تحتاج إلى ميادين، وإنما إلى مؤثر جاهل، ومقطع قصير، وجمهور غاضب يظن أن كل طبيب عدو، وكل دواء مؤامرة، وكل علم كذب، وكل مؤسسة صحية مشروع استغلال.
حين تنهار الثقة بالمنظومة الصحية لا يسقط الطب وحده.
يسقط الاقتصاد لأن المرضى غير القادرين على العمل يتحولون إلى عبء عام.
يسقط التعليم لأن الطفل المريض أو الجائع أو المنهك لا يفقه علماً.
يسقط الأمن لأن المجتمعات المريضة والخائفة والغاضبة تصبح أكثر قابلية للفوضى والعنف والانهيار.
ثم تسقط الأمة كلها وهي تظن أنها تحارب “المافيا” بينما هي في الحقيقة تحارب آخر ما تبقى من مناعة الدولة.
المخيف أن هذه الفتنة لا تُفرض بالقوة، وإنما يتبناها الناس بأيديهم.
الإنسان نفسه يصبح أداة هدم وهو يعتقد أنه تحرر من “الخداع”.
يترك علاجه بإرادته، يهاجم اللقاحات بإرادته، يسخر من الأطباء بإرادته، ويمنح ثقته لشخص لا يملك أي علم لأنه تحدث بثقة وصراخ وغضب.
التاريخ يخبرنا أن إسقاط الشعوب لا يكون دائمًا بالدبابات.
سكان القارة الأمريكية الأصليون لم ينتهوا بالحرب المباشرة، وإنما بالأوبئة وانتشار الأمراض وانهيار القدرة على المقاومة.
والحضارات حين تفقد مناعتها الفكرية والعلمية تصبح هشة أمام أي كارثة، لأن أخطر أنواع الانهيار هو أن يقتنع الناس أنفسهم بأن النجاة تكمن في هدم أدوات نجاتهم.
ولا يعني هذا أن المنظومات الصحية مقدسة أو خالية من الفساد أو الأخطاء.
الطب فيه تجارة أحيانًا، وفيه مصالح وشركات واستغلال كما في كل قطاع بشري. لكن الفرق كبير بين نقد العلم لتطويره، وبين هدم العلم بالكامل وتسليم العقول للدجل والانفعال والشعبوية.
الأمم لا تموت فقط بالقصف والحروب.
أحيانًا تموت حين يتحول الجهل إلى بطولة، والتشكيك إلى ثقافة، والكراهية للعلم إلى هوية جماعية.










