لم أقتنع بأن جماعة (عَلْمانيون) أغلقوا مقرهم الفخيم في وسط القاهرة بسبب عدم قدرتهم على دفع الإيجار، فالمعروف أنهم لا يعانون مشكلة تمويلية؛ هناك من رجال الأعمال المتخمين ماليا من يحمل عنهم أعباء التمويل والإيجار والاستضافة وما شابه ذلك، كما أنهم ـ طبقا للهيئة التي يظهرون عليها ـ من المقتدرين الذين لا يشكون فقرا، لكنهم يعانون مشكلة حقيقية لعدم إقبال الجمهور على بضاعتهم، وبدلا من أن تتزايد أعدادهم مع توالي الأيام والندوات صارت الأعداد تتناقص بصورة محرجة، فكان لابد من قرار صعب يحفظ لهم ماء الوجه، خصوصا بعد انفصال فريق المشاهير، واتجاههم إلى تشكيل جديد أكثر نخبوية في جماعة (تكوين).
والحقيقة أن التيار العلماني يمر بحالة من الانحسار المشهود بعد أن فقد بريقه، وتغيرت الظروف التي استثمر فيها موجة العنف والإرهاب لصالحه، فقدم نفسه فيها على أنه البديل الآمن لتيار التطرف الديني، الذي سيحمي الوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي ويحقق للوطن نقلة حضارية إلى الدولة المدنية والحداثة والتنوير والحرية والديمقراطية.
ولكي تنجح عملية تسويق العلمانية في بلادنا تم ربطها قسرا بالعلم، والادعاء الكاذب بأنها ليست ضد الدين، وإنما ضد استغلال الدين وتوظيفه لصالح فئات معينة، وأنها تعني تحييد الدين، فكل مواطن حر في دينه وتدينه، لكن لاعلاقة للدين بالدولة، ولاعلاقة للنصوص الدينية بالقوانين والقيم التي تنظم حركة المجتمع وحياة الناس.
وسرعان ما انكشف هذا التدليس، وأكدت الممارسة أن العلمانيين ليسوا دعاة حرية وديمقراطية، لكنهم انتهازيون إقصائيون استئصاليون، لايؤمنون بالتعدد والتنوع، وليسوا محايدين مع الأديان، والدين الإسلامي على وجه الخصوص، وإنما هم مخربون يضربون معاولهم في جنباته، ولا عمل لهم إلا النيل من ثوابته ورموزه، وأقرب دليل على ذلك الضجة التي أثاروها ضد ندوة ثقافية في طنطا لثلة من العلماء الثقات حول الإيمان والإلحاد.
الأخطر من ذلك أنهم ربطوا أنفسهم بالدولة، فكانوا عبئا عليها لا عونا لها، وكانوا سببا إضافيا في اتساع دائرة التطرف والإرهاب، حيث جعلوا المجتمع منقسما بين المتطرفين في الدين والمتطرفين ضد الدين.
لقد نشأت العَلْمانية حركة مناهضة للدين في الغرب، رافضة لسيطرة الكنيسة على سلطة الدين وسلطة الحكم، وتدعو لترك أمور الدنيا برمتها للناس دون الحاجة إلى تدخل من السماء، وتجعل الدين علاقة فردية بين العبد وربه، وهي بذلك تتصادم مباشرة مع الإسلام الذي بطبيعته يحتوي على أحكام وشرائع لضبط حركة المجتمع، ولا يعرف تقسيم شئون الحياة إلى ما هو ديني وغير ديني، فالإسلام نظام شامل ينظم المعاملات بين الناس والمواريث وحقوق الأزواج والزوجات والأبناء والآباء وواجبات الحاكم والمحكوم وما إلى ذلك.
وتعريف العَلْمانية (Secularism) في المعاجم الغربية يربطها بالعَالَم، ولا يربطها البتة بالعلم (Science)، يقول قاموس (وبستر): “العلمانية منهج يرفض الدين والأحكام الدينية”، أما قاموس (وبستر: العالم الجديد) فيتوسع في الشرح ويقول: “العلمانية هي الروح الدنيوية، ترفض أي شكل من أشكال الإيمان والعبادة، والاعتقاد بأن الدين والشئون الكنسية لا دخل لها في شئون الدولة”، وتقول دائرة المعارف البريطانية: “العلمانية حركة اجتماعية تهدف إلى صرف الناس من الاهتمام بالآخرة إلى الاهتمام بالدنيا وحدها”، ويقول معجم (أكسفورد) في مادة (Secular): “تعني دنيوي أو مادي، ما ليس دينيا ولا روحيا، هي السلطة اللادينية المناقضة للكنيسة، والرأي الذي يقول إنه ينبغي ألا يكون الدين أساسا للأخلاق والتربية”.
وعلى ذلك فالفكر العلماني فكر دنيوي لا ديني، أقرب إلى الإلحاد منه إلى الدين، لا يؤمن بالغيب ولا يكترث بالأجر الأخروي، يرى الحياة فرصة واحدة للاستمتاع وحصد المكاسب، وينصب اهتمامه على الدنيا، وليس لديه استعداد للتضحية بلا مقابل، ولو في سبيل الله والوطن والقيم العليا، هو فكر مادي نفعي لا يؤمن بأمور خارج العالم المادي، بينما الفكر الإيماني يحرك الإنسان بدافع الاحتساب والأجر الأخروي.










