في عيد الأب، عادت أشجاني تطرق أبواب القلب، وكتب الحزن سطوره على ملامح روحي.
أبي… بعدك لا نبض يدق على باب حياتي، ولا نسيم يدخل من نوافذ وحدتي. حين تجتمع الذكريات الجميلة والفقد الموجع، يتشكل بركان من الأوجاع، وتنساب حمم الفراق لتحرق حتى المسامات.
كنت الأب الذي يعرف تفاصيلي كلها، ويهتم بكل ما يسكن حواسي. لم تكن مجرد أب يوفر الماديات، بل كنت نبعًا للحنان، وفيضًا من الحب أغدقته عليّ دون حساب. ما تركت خاطرًا مكسورًا إلا وجبرته، ولا خوفًا اقترب مني إلا وكسرته قبل أن يمسني.
كنت تعلم أنني أحب الدلال، فدللتني حتى ظننت أنني ابنتك البكر، رغم أنني كنت السادسة في الترتيب. أحببتني بلا أرقام ولا مراتب، وجعلتني أشعر أنني الأقرب إلى قلبك.
كنت المثقف الذي يحمل مفتاح قلوبنا قبل مفتاح بيته، وبين تفاصيلنا وفواصل أيامنا رتبت كل شيء بحكمة ومحبة. منحتني الأمان، وحققت لي من الأمنيات ما جعلني اليوم لا أريد من الحياة شيئًا سوى المحافظة على عطرك العالق بين حنايا ربيع قلبي المزهر بذكراك.
وكيف لا، وأنت من زرع فيّ الطيبة والعطاء، فجعلتهما من أولويات أخلاقي، لأنك قلت لي: «كل شيء يزول إلا الأخلاق الكريمة، فهي نبتة تنمو كلما سُقيت بالمحبة وحب الخير للآخرين».
أبي… ما زلت أفتقد صوت مفتاحك، وفتحك لباب غرفتي في آخر الليل وأنت تبتسم: «ما هذه الفوضى؟ ما بك وسط الأوراق؟ ألم تنامي بعد كعادتك؟». أبتسم من الخجل لأنني كنت أكتب شيئًا من خواطر النبض وأقرأ لنزار… أحس كأنني لصّة تخترق قانون الحب.
أتظاهر أنني أجمع كل ما حولي لأخفي ارتباكي.
كنت تحفظ كل خصوصياتنا، وكنا نعرف كل حدودنا، ولا نتجاوز خطوطك الحمراء التي وضعتها بحب.
لم أرَ مثلك كيف تقدر صديقاتي، وهن كثيرات. قل لي يا أبي، كيف أنساك وأنت تسكنني، وجيوش حبك تحرسني، والثقة التي منحتها لي جعلتني أثق بنفسي وأقف وسط رياح الغزو الجديد من التنمر والتكبر والتقليل من الآخرين؟
لم يعرفوا أن أبي بنى لي قلعة من النصائح، ومنحني بحبه مضادًا للضعف.
أبي… دعائي لك، صلاة أؤديها في كل لحظة غياب.
على روحك أقرأ فاتحة الكتاب،
وأجمع كل يوم دعوةً مستجابة










