رخصة واحدة وثلاثة أدوار: حصلت شركة فوري للتكنولوجيا المالية على رخصة إدارة مطالبات التأمين للأطراف الثالثة عبر شركتها التابعة الجديدة تريميد، والتي ستعمل تحت مظلة علامة فوري للرعاية الصحية، وفق ما أعلنته الشركة في بيان صحفي الشهر الماضي. وقال أشرف صبري، الرئيس التنفيذي لشركة فوري، في تصريحات لإنتربرايز إن منصة التكنولوجيا المالية كانت تعمل بهدوء على مدار عدة سنوات لتأسيس هذا الذراع الإداري، عبر الاستحواذ على كيانات في مجال إدارة الخدمات الطبية وتأسيس شركة تأمين.
ما وراء العلامة التجارية الجديدة:
ستتولى شركة فوري للرعاية الصحية إدارة مطالبات التأمين، وإدارة شبكات مقدمي الخدمات الطبية، ومعالجة مدفوعات الرعاية الصحية الرقمية، واستخدام تحليلات البيانات للكشف عن الاحتيال والحد من الهدر في المطالبات. وأوضح صبري أن الاستراتيجية ترتكز على التكامل مع المنظومة الحالية، وليس ممارسة نشاط مستقل. وأضاف: “فوري تميز بين خدمات المنصة والمنتجات المباشرة المقدمة للعميل النهائي. وستعمل الشركة الحاصلة على الترخيص مع شركات تأمين أخرى. كما يمكن لمقدمي الخدمات استخدام حلول التكنولوجيا الصحية لدينا، ويمكننا دمج حلولنا الإدارية في منصاتهم”.
???? تشكل شركات إدارة مطالبات التأمين للأطراف الثالثة حلقة وصل بين شركة التأمين ومقدم الخدمة، إذ تتعامل مباشرة مع المستفيد من برنامج التأمين الطبي. ولا تتحمل هذه الشركات المخاطر التأمينية، بل تقتصر مهمتها على إدارة البرنامج، عبر معالجة المطالبات، والتحقق من أهلية المستفيد، وإدارة شبكات مقدمي الخدمات، واعتماد الإجراءات الطبية. وتتحمل شركة التأمين أو مقدم الخدمة عبء التغطية التأمينية، بينما تتولى شركات إدارة مطالبات التأمين تشغيل المنظومة مقابل رسوم خدمة، وليس حصة من أقساط التأمين. وتكمن أهمية السيطرة على هذا النشاط في البيانات؛ إذ تطلع الشركة التي تدير المطالبات على كل معاملة تجري بين المريض ومقدم الخدمة وجهة السداد.
الخلفية التنظيمية
كانت الشركات التي تمارس أنشطة إدارة مطالبات التأمين في مصر تعمل في الماضي خارج نطاق الإشراف المباشر للهيئة العامة للرقابة المالية، عبر إدارة برامج الرعاية الصحية لشركات التأمين والشركات التجارية دون الخضوع للقواعد ذاتها التي تحكم شركات التأمين. وأوضح مسؤول في الرقابة المالية لإنتربرايز أن هذا الوضع خلق مشكلات هيكلية وتراكمية؛ إذ كانت بعض الشركات تتحمل مخاطر تأمينية، مثل تغطية تكاليف العلاج مباشرة للشركات والنقابات، دون تكوين الاحتياطيات الفنية اللازمة لتغطية تلك الالتزامات. كما كانت هناك شركات أخرى تعمل دون معايير ملزمة بشأن سرعة الموافقة، أو التعامل مع الشكاوى، أو سرية البيانات. وأضاف المسؤول أن الهيئة خلصت إلى أن إخضاع الشركات التي تعمل بذلك النموذج لرقابتها يعد أمرا ضروريا لحماية الاستقرار المالي للمنظومة وأيضا حماية حقوق حملة الوثائق.
تأسس الإطار التنظيمي الجديد بموجب قانون التأمين الموحد رقم 155 لسنة 2024. ووفقا للقانون، لا يجوز لأي من تلك الشركات المرخصة تصميم وبيع برامج تأمينية مباشرة للجمهور أو تحمل مخاطر مالية دون وجود شركة تأمين مرخصة تدعمها. وأصبحت النزاعات تخضع لقرار مجلس إدارة الهيئة رقم 77 لسنة 2025، الذي يلزم الشركات بإنشاء وحدات لتلقي الشكاوى، ويمنح حملة الوثائق مسارا لتصعيد الشكاوى إلى الرقابة المالية مباشرة.
ضغوط التسعير
تدخل فوري قطاعا يعاني من ضغوط مالية حادة، ويكمن التحدي الرئيسي في فخ التسعير الذي لم يعالجه الإطار التنظيمي الجديد، وفق ما قاله محمد عبد الغني، رئيس مجلس إدارة شركة تراي كير لإدارة خدمات الرعاية الصحية لنشرة “إنتربرايز” الاقتصادية. إذ تلتزم شركات إدارة مطالبات التأمين للأطراف الثالثة بموجب التعاقد بتقديم الخدمات بأسعار ثابتة طوال مدة العقد، في حين ترفع المستشفيات والمعامل رسومها في منتصف العام دون قيود تنظيمية. وأضاف عبد الغني: “أنا ملزم بتوفير الخدمة للمستفيد، لكن مقدمها هو من يرفع السعر وليس أنا”. وضرب مثالا ملموسا ارتفعت فيه رسوم الكشف في أحد المستشفيات الكبرى من 450 جنيه إلى 750 جنيه، ثم إلى 1200 جنيه خلال نفس العام التعاقدي. وأشار عبد الغني إلى أنه عند تعميم هذا الفارق على 37 ألف عميل، تتحول فروق الأسعار إلى خسائر بملايين الجنيهات تتحملها الشركة المديرة للمطالبات بالكامل.
كما ألغت الرقابة المالية صمام الأمان الذي سمح للشركات سابقا بتمرير التكاليف الزائدة إلى العملاء، والتي كانت تُعرف بآلية إيقاف الخسائر. وذكر عبد الغني أن الهيئة رفضت أيضا تنظيم أسعار مقدمي الخدمات مباشرة؛ على أساس أن المستشفيات تقع تحت مظلة وزارة الصحة وليس الرقابة المالية. ويترك هذا الوضع الشركات المديرة للمطالبات محاصرة بين مطرقة العقود ثابتة الرسوم وسندات التضخم غير المنظم من جانب مقدمي الخدمات، دون أي آلية لتعويض الفارق.
لكن يبدو أن نموذج عمل فوري مصمم لتجنب هذا الفخ؛ إذ يركز ترخيص فوري على الإدارة الفنية لبرامج التأمين. أما مخاطر التسعير، فتقع على عاتق شركات التأمين وليس شركة تريميد، بحسب عبد الغني. ويعني هذا أن فوري تستهدف رسوم الخدمات الإدارية مع البقاء بمنأى عن تقلبات أسعار مقدمي الخدمات التي تضغط على المشغلين الحاليين. ومع ذلك، لم تجب الشركة بعد عما إذا كان هذا النموذج سيحل مشكلة التكلفة الهيكلية في القطاع أم أنه يكتفي بالالتفاف عليها.
الرؤية التجارية
ينطلق المنطق التجاري للمشروع من مشكلة هيكلية حددها صبري منذ فترة طويلة في سوق التأمين المحلية، حيث يتعامل معظم مقدمي الخدمات مع شبكة محدودة من مجموعات المستشفيات الكبرى، مما يترك شريحة واسعة من العيادات والصيدليات الصغيرة خارج نظام التأمين، نظرا للعبء الإداري الكبير الذي يتطلبه ضمها وبطء دورة سداد مستحقاتها. وتراهن فوري على قدرتها على تغيير هذا الوضع من خلال تبسيط معالجة المطالبات وتقصير دورات الدفع. وقال صبري: “نعتقد أننا سنمكن شركات التأمين من توسيع عروضها لتشمل شرائح سوقية أخرى”.
وكان منتج التأمين الطبي المحدود السابق للشركة “صحتك فوري” بمثابة إثبات لجدوى تلك الفكرة، فقد وصل إلى أكثر من 700 ألف مستخدم عبر الاستفادة من قاعدة عملاء فوري الحالية، لكنه واجه سقفا للنمو، بحسب صبري. وأضاف في حديثه مع إنتربرايز: “ستقدم شركة إدارة مطالبات التأمين حلولا أكثر تطورا للتوسع”، لكنه لم يوفر مزيدا من التفاصيل حول العوامل التي قيدت المنتج السابق.
محور التأثير
يعد التحكم في معدلات الاستخدام ركيزة أساسية في القيمة التي تقدمها شركات إدارة مطالبات التأمين. فأوضح صبري أن تكاليف التأمين الطبي في مصر تشهد ارتفاعا سنويا. وبدون وجود أنظمة قادرة على إدارة العمليات الطبية والتحكم في تكاليف الخدمة، يصبح توسيع التغطية التأمينية غير مستدام اقتصاديا. وفي تعليقه لإنتربرايز، قال إسلام عنان، أستاذ اقتصاديات الصحة وعلم الأوبئة بجامعة مصر الدولية: “بمجرد إنشاء نموذج تأميني، يشهد النظام الصحي حالات من الإفراط وسوء الاستخدام والتلاعب. وهنا يأتي دور شركات إدارة مطالبات التأمين لضمان ترشيد الإنفاق”.
يعني هذا في الواقع العملي أن شركة تريميد ستعتمد على أنظمة ترصد بعض الوصفات الطبية أو الإجراءات تلقائيا وتحظرها في بعض الحالات،. لكن صبري يبدو حريصا على وضع حد فاصل من أجل التوضيح، إذ يقول: “وثائق التأمين والأدوية والإجراءات تخضع جميعها لقواعد تعكس القيود المالية والاستخدام الصحيح للدواء، بناء على التشخيص والجنس والملف التعريفي للعميل”. وأضاف: “نستخدم قواعد بيانات محلية ودولية للتأكد من عدم وجود تلاعب، لكن القرار النهائي يظل للطبيب ما لم يخالف قاعدة واضحة”. وضرب صبري أمثلة على ذلك، مشيرا إلى أنه لا يمكن وصف دواء لطفل مع أنه في الأساس مخصص للبالغين، ولا يمكن أن تتجاوز الجرعة فترة العلاج المحددة، وإذا كان هناك دواءان يشتركان في المادة الفعالة نفسها، فإن وثيقة التأمين هي التي تحدد العلامة التجارية المغطاة.
وأكد مسؤول بالرقابة المالية أن شركات إدارة مطالبات التأمين المرخصة تتمتع بالمرونة لبناء نماذج كشف الاحتيال وتصميم بروتوكولات الموافقة الطبية، شريطة ألا تتعارض مع بنود وثائق التأمين المعتمدة من الهيئة، وألا تُستخدم لتأخير تقديم الخدمات أو حرمان المستفيدين منها تعسفا. وأضاف المسؤول أن الهيئة ترى أن تلك الشركات كيانات نشطة في السوق، تتفاوض مع شبكات مقدمي الخدمات وتولد بيانات تستخدمها شركات التأمين لتسعير المنتجات الطبية، وأنها ليست مجرد وسيط محايد.
مع ذلك، يظل سؤال تضارب المصالح قائما؛ إذ تبني فوري شركة تأمين في الوقت ذاته، إلى جانب امتلاكها لشركة لإدارة المطالبات ومنصة مدفوعات، مما يعني أنها قد تكتتب في الوثيقة وتدير مطالباتها وتعالج مدفوعاتها للمريض نفسه. وأشار صبري إلى أن هذا التداخل معروف وقد تعاملت معه فوري من قبل. وقال: “منذ تأسيسها، تميز فوري بوضوح بين كونها منصة تخدم المنظومة ككل وبين كونها شركة لديها عملاء. إنه أمر صعب وينطوي على تحديات، لكننا نجحنا في ذلك مع العديد من المؤسسات المالية التي تستخدم منصتنا لتسهيل أعمالها مع عملائها، في حين يمكن لفوري تقديم منتجات منافسة مباشرة لنفس العملاء”. ويبدو هذا القياس منطقيا في قطاع التكنولوجيا المالية، لكن نجاحه في قطاع الرعاية الصحية يبقى سؤالا لم تضطر الشركة للإجابة عليه على نطاق واسع بعد، فمن المؤكد أن تبعات رفض مطالبة طبية تختلف جذريا عن رفض عملية دفع.
وعلى صعيد البيانات، قال صبري إن كشف الاحتيال هو خدمة قياسية تقدمها شركات إدارة المطالبات لجميع شركات التأمين، بما في ذلك ذراع التأمين متناهي الصغر التابع لفوري. ولم يتطرق صبري إلى ما إذا كانت بيانات المرضى الناتجة عن شركة تريميد ستتدفق إلى منصة فوري الأوسع للمستهلكين والمدفوعات، وهو السؤال الجوهري الذي يظل دون إجابة في هذا النموذج، وسيزداد أهمية مع نمو المنظومة.
تأثير التأمين الصحي الشامل
يمثل التطبيق التدريجي لمنظومة التأمين الصحي الشامل في البلاد دافعا هيكليا قويا وراء كل هذه التحركات. إذ يرى عنان أن المنظومة الجديدة لن تقصي سوق التأمين الخاص، بل ستسهم في توسيعها. فبمجرد توفر التغطية الحكومية الأساسية، سيتجه السوق الخاص لبيع منتجات تكميلية لشريحة سكانية باتت تتمتع بالوعي التأميني. وأضاف عنان لإنتربرايز: “لن تقتصر التغطية عبر الأنظمة الخاصة على 10% فقط من السكان، بل قد تصل إلى 40% من المصريين المشتركين في شركات التأمين الخاصة”. ووصف مسؤول بالرقابة المالية هدف الهيئة بأنه عملية لنقل السوق من الممارسات المجزأة وغير المحكومة إلى نظام يخضع لتقارير دورية، وحوكمة صارمة، وأكواد طبية، ونماذج مطالبات موحدة في جميع أنحاء القطاع.
وتبدو رؤية عنان متوازنة بشأن ما إذا كان هذا الوضع قد يؤدي إلى مخاطر احتكارية؛ إذ قال: “التكنولوجيا وحدها لا تخلق احتكارا، بل يعتمد الأمر على وجود سياسة صحية قوية وتحكم الهيئة الرقابية وحوكمتها للمنظومة. ففي ظل وجود سياسة صحية قوية، لا يمكن لأحد احتكار المنظومة”.
الخطوة التالية:
لم يحدد صبري مستهدفات ملموسة لعدد مقدمي الخدمات المتعاقد معهم، أو عدد الأفراد المشمولين بالتغطية، أو الحصة السوقية المستهدفة خلال الأعوام الثلاثة المقبلة. وفي الوقت الحالي، تعد تريميد الكيان المرخص، وما ستصبح عليه يتوقف على سرعة بناء فوري لشبكتها، ومدى استعداد شركات التأمين لإسناد إدارة برامجها إلى شركة تكنولوجيا مالية ليس لها تاريخ تشغيلي سابق في قطاع الرعاية الصحية، وأيضا ما إذا كان الفصل بين دور المنصة والمنافس، كما وصفه صبري، سيصمد عندما يصبح حجم فوري كبيرا بما يكفي لجعل هذا الفارق مؤثرا.










