جاء الإعلان عن حزمة التمويلات الأوروبية البالغة 690 مليون يورو الأسبوع والمخصصة لدعم شبكة الكهرباء، في توقيت حرج تواجه فيه سوق أدوات الدين الخضراء المحلية حالة من الركود. فبعد مرور نحو خمس سنوات على طرح أولسنداتخضراء سيادية في المنطقة بقيمة 750 مليون دولار، والتي تمت تغطيتها بواقع 7 مرات، وبسعر عائد بلغ 5.25%، واستحقت في سبتمبر 2025، لم تشهد السوق سلسلة الإصدارات التي كان من المفترض أن تتبع هذا الطرح.
لا يعزو هذا إلى غياب الأطر التنظيمية؛ فقد أصدرت الهيئة العامة للرقابة المالية بالفعل قواعد وضوابط إصدار السندات الخضراء في عام 2018، وخفضت رسوم إصدارها إلى النصف، ووضعت قواعد إفصاح متعلقة بالاستدامة للشركات المدرجة في البورصة المصرية. وتلا ذلك إعلان وزارة المالية عن “إطار التمويل السيادي المستدام” في نوفمبر 2022، والذي وسع نطاق الأدوات المؤهلة لتشمل السندات الاجتماعية، وسندات الاستدامة، والصكوك.
محطات بارزة، رغم محدوديتها:
شهدت السوق ثلاث محطات رئيسية مؤكدة منذ الإصدار السيادي في عام 2020، وهي: إصدار البنك التجاري الدولي لسندات خضراء للشركات بقيمة 100 مليون دولار في نوفمبر 2021، والتي اكتتبت فيها مؤسسة التمويل الدولية بالكامل؛ وسندات استدامة أصدرها البنك العربي الأفريقي الدولي بقيمة 500 مليون دولار، واكتتبت مؤسسة التمويل الدولية فيها بقيمة 300 مليون دولار، بينما استثمر كل من البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية والمؤسسة البريطانية للاستثمار الدولي (بي أي أي) نحو 100 مليون دولار لكل منهما؛ وحصل بنك مصر على قرض مرتبط بالاستدامة بقيمة 100 مليون دولار في يوليو 2024، بترتيب من البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، ومرتبط بتحقيق أهداف أداء اجتماعية. ويعد هذا أول قرض مرتبط بالاستدامة في مصر، وأحدث محطة مهمة في سوق تمتلك — نظريا — بنية تحتية تؤهلها لتحقيق المزيد.
لكن، القرض المرتبط بالاستدامة يختلف هيكليا عن السندات الخضراء. فبينما تُقيد السندات الخضراء استخدام حصيلة الإصدار في تمويل مشروعات مؤهلة ومحددة مسبقا، تمنح القروض المرتبطة بالاستدامة المقترض حرية التصرف في الأموال واستخدامها كما يشاء، ولكنها تربط سعر الفائدة بمدى تحقيق المقترض لمؤشرات أداء رئيسية متفق عليها سلفا في مجال الاستدامة. واستحوذت القروض المرتبطة بالاستدامة على حصة كبيرة من إصدارات الديون المستدامة العالمية تحديدا كونها لا تتطلب تخصيص الأموال لمشروعات خضراء محددة — وهو ما يعتبر حلا عمليا للجهات المصدرة التي تعمل على خفض الانبعاثات الكربونية في أعمالها ككل.
الإصدارات الموعودة لم تر النور:
في ديسمبر 2022، أعلنت الحكومة أنها ستصدر سندات خضراء بقيمة 500 مليون دولار لبنوك تجارية واستثمارية عالمية بحلول نهاية عام 2023، إلا أن هذا الإصدار لم يطرح في السوق حتى الآن. وصرح مسؤول حكومي رفيع المستوى لنشرة “إنتربرايز” الاقتصادية في نوفمبر الماضي بأن وزارة المالية لا تزال تنتظر الضوء الأخضر من بنك التنمية الأفريقي لضمان إطار جديد للسندات المستدامة وسندات ساموراي خضراء بقيمة 500 مليون دولار.
إصدارات تقليدية وليست خضراء:
طرقت مصر أسواق الدين الدولية ثلاث مرات منذ ذلك الحين عبر أدوات تمويلية تقليدية وليست خضراء؛ شملت إصدار صكوك سيادية بقيمة 1.5مليار دولار في عام 2023، وصكوك سيادية بمليار دولار في يونيو 2025، وصكوك سيادية أخرى بقيمة 1.5 مليار دولار في أكتوبر 2025. ورغم أن إطار التمويل المستدام وسع قائمة الأدوات التمويلية المتاحة، إلا أنه لم يسفر حتى الآن عن أي صفقة تستخدم أيا من هذه الأدوات الجديدة.
رأينا: هناك أربعة عوامل تفسر حالة الهدوء التي تشهدها السوق:
أولها تبعات خفض قيمة الجنيه في عام 2022 وتقلبات العملة التي أدت إلى ارتفاع تكلفة الإصدارات السيادية المقومة بالدولار. وثانيها، برنامج صندوق النقد الدولي الذي دفع السياسة المالية نحو ضبط الأوضاع بدلا من التوسع في الاقتراض الخارجي. وثالثها، حلول موعد استحقاق إصدار 2025 في وقت لم تكن فيه أسعار الفائدة ولا وضع العملة يجعل من إعادة التمويل الأخضر خيارا جذابا. أما العامل الرابع فيكمن في رهن الإصدار الأخضر السيادي المقبل بالحصول على ضمانة من البنك الأفريقي للتنمية، وهي الخطوة المعلقة منذ نوفمبر الماضي على الأقل. ولا يعكس أي من هذه العوامل مشكلة هيكلية في إطار الديون الخضراء نفسه، لكنها تشير إلى أن السوق تحتاج إلى محفز لم توفره البيئة الكلية. وفي غضون ذلك، تلعب رؤوس أموال المؤسسات الدولية (مثل البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية في قرض بنك مصر المرتبط بالاستدامة، والبنك الأوروبي للاستثمار في حزمة تمويلات شبكة الكهرباء الأسبوع الماضي، والآن البنك الأفريقي للتنمية المعني بالإصدار السيادي المرتقب) الدور الأكبر في هيكلة السوق، والذي كان من المفترض أن تقوم به الديون الخضراء المحلية بنفسها.










