“إن التفاؤل بإمكان التوصل إلى حل دبلوماسي لأزمة إيران سابق لأوانه”؛ هكذا استهل جون بولتون مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق في جريدة الـ”واشنطن بوست”،تحت عنوان “اتفاق هرمز المرتقب استسلام أمريكي لشروط إيران”؛ فلم يُعلن رسميا حتى الآن عن أي اتفاق بين إيران وعُمان، لكن ما نعرفه لا يدعو إلى الإطمئنان؛ والكلام لبولتون، وواصل: “بل إن السماح للدول المطلة على مضيق هرمز وحدها بإجراء المفاوضات يمثل تحديا جوهريا لمبدأ حرية البحار، وهو أحد أسس السياسة الخارجية الأمريكية؛ وقد تكون التفاصيل أسوأ من ذلك؛ فوفقا لإحدى النسخ المسربة من الاتفاق”، وأضاف: “لن يُسمح للسفن الأمريكية أو الإسرائيلية بعبور المضيق، وهو شرط مرفوض تلقائيا بالنسبة لواشنطن؛ ومهما كانت الشروط الفعلية للاتفاق”.
البيان الإيراني والمصالح الجيوسياسية
إن إيران كشفت السبت الماضي، بلا مواربة، عن حقيقة موقفها؛ فقد أصدر المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني قائمة من الشروط لفتح المضيق تبدو أو ينبغي بالتأكيد أن تبدو، غير مقبولة إطلاقا بالنسبة للولايات المتحدة وشركائها في الشرق الأوسط؛ وحتى الحلفاء الأوروبيون المترددون في حلف شمال الأطلسي ينبغي أن يروا هذه المطالب غير مقبولة؛ ومن بين أمور أخرى، يطالب النظام ليس فقط بأن ترفع واشنطن حصارها على التجارة البحرية الإيرانية، وهو تنازل بالغ السوء إذا قدمته الولايات المتحدة، من وجهة نظر الإدارة الأمريكية، بل أيضا برفع العقوبات الاقتصادية؛ ومن دون رفع العقوبات، وتعتقد مصادر تجارية أن اتفاق إيران وعمان وحده لن يكون كافيا لإقناع شركات الشحن باستئناف نشاط واسع عبر المضيق.
وقد أصر ترامب مرارا على ألا تدفع السفن العابرة للمضيق أي رسوم؛ ومع ذلك، فإن الحديث عن “رسوم بيئية” تتراوح بين 5 و7 في المئة من قيمة الشحنات سيزيد أيضا مخاوف شركات النقل البحري؛ وهذه ليست سوى البداية؛ فبيان طهران الصادر السبت يصر كذلك على أن تسحب الولايات المتحدة قواتها المنتشرة قرب إيران، وأن تفرج عن الأصول الإيرانية المجمدة، وتدفع تعويضات عن الحرب، وتوقف الهجمات على وكلاء إيران مثل حماس وحزب الله والحوثيين في اليمن، وتتوقف عن تهديد إيران نفسها؛ وللتوضيح، فهذه شروط استسلام أمريكي، من وجهة نظر المستشار الأمريكي الأسبق للولايات المتحدة، وليست نقاطا محتملة للتفاوض؛ ومثل هذه التنازلات ليست فقط خاطئة وشديدة الضرر بالمصالح الجيوسياسية الأمريكية، بل ستكون أيضا كارثية سياسيا وعلى مستوى السمعة بالنسبة لترمب نفسه؛ كما يزعم بولتون.
الحكومة الفاعلة والمفاوضون الأمريكان
ولتعزيز الشروط الجديدة التي وضعها النظام الإيراني، أعلن الحرس الثوري، السبت أيضا، أنه:” بالنسبة لنا، مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي اقتصادي، بل مكون أساسي من قوتنا الجيوسياسية والاستراتيجية”؛ وكان الحرس قد هاجم في وقت سابق من اليوم نفسه سفينة إماراتية كانت تعبر مضيق هرمز، وكأنه أراد التأكيد على رسالته بالفعل؛ والمشكلة بدأت من طريقة التفاوض نفسها كانت الصعوبات الجيوسياسية والعملية المتأصلة في الاتفاق واضحة منذ الطريقة التي جرى بها التفاوض عليه؛ لقد قلت سابقا إن الدبلوماسية مع إيران لا يمكن أن تنجح اليوم لأن البلاد لا تمتلك حكومة فاعلة؛ فالهجمات الأمريكية الإسرائيلية دمرت قيادة النظام، وتركت وراءها لا حكومة قادرة على العمل، بل مراكز قوى متنافسة؛ فمكونات مختلفة، مثل الحرس الثوري أو الهيئات المدنية كوزارة الخارجية، تتنافس فيما بينها على النفوذ والهيمنة؛ لكن لا يستطيع أي منها الحفاظ على تفوقه لفترة طويلة.
إدارة ترامب تقبل ضمنيا بهذه الحقيقة؛ فقد ألقى نائب الرئيس جي دي فانس، وهو يدافع مؤخرا عن اعتماد البيت الأبيض على الدبلوماسية، باللوم في غياب التقدم على “النظام الإيراني المنقسم”؛ لكن فانس أظهر بعد ذلك سذاجة الإدارة عندما أضاف أن بعض المسؤولين الإيرانيين “يريدون انتهاء الحرب، بينما يريد بعض المتطرفين المجانين استمرارها”؛ كما وصفها، والحقيقة أن الخلاف الرئيسي داخل النظام لا يدور حول السلام أو الحرب، بل حول سؤال مختلف مفاده، هل انتزعت إيران بالفعل كل ما يمكن انتزاعه من الولايات المتحدة، أم لا تزال قادرة على الحصول على تنازلات إضافية؟، الانقسام الإيراني يمنح طهران ورقة إضافية ومن المفارقات أن هذه الدينامية السياسية الداخلية الإيرانية تمنح طهران ورقة ضغط إضافية على المفاوضين الأمريكيين.
الإحباط الأمريكي والقلق الخليجي العربي
الولايات المتحدة لا تتعامل مع مسؤولين يمتلكون السلطة الحقيقية بالفعل؛ ومع معرفة الإيرانيين بأن الأمريكيين بطبيعتهم ينفد صبرهم سريعا ويريدون حل المشكلات ثم الانتقال إلى غيرها، تستطيع طهران ببساطة إطالة أمد المفاوضات حتى يتغلب الإحباط على الجانب الأمريكي ويتم تقديم المزيد من التنازلات؛ وفي السيناريو الحالي، كان هذا التكتيك فعالا بصورة خاصة مع ترامب، لأنه يواجه أيضا ضغوطا متزايدة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس؛ وهذا يساعد أيضا في تفسير لماذا لا يؤدي التوصل إلى اتفاق مع النظام إلى حل المشكلات؛ فالصفقات التي يبرمها النظام لا تمثل نهاية التفاوض، بل مجرد نقطة البداية للجولة التالية من المفاوضات؛ ليس من المستغرب أن لا يتضمن شيء في اتفاق إيران وعُمان المرتقب، ولا في المطالب الإيرانية العلنية أحادية الجانب، أي حديث عن برنامج طهران للأسلحة النووية أو عن تهديداتها في أنحاء العالم؛كما يتحجج بها الجانب الأمريكي المفاوض منقبل، وفوق ذلك، أصبحت دول الخليج العربية المنتجة للنفط، التي كانت قلقة أصلا من وضوح تفكير ترامب ومن افتقاره إلى الحزم، أكثر قلقا تدريجيا بشأن ما إذا كان يمكنها الاعتماد فعلا على البيت الأبيض في المستقبل.
ويجسد التحالف الجديد الشبيه بالناتو الذي أعلن بين السعودية وتركيا وباكستان هذه المخاوف؛ كما أن التقارير التي تفيد بأن الجنرال دان كين، رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية، يبحث عن مخارج من الصراع الحالي؛ تظهر أن كبار مستشاري ترامب أنفسهم يشكون في قدرته على الاستمرار في المواجهة؛ بولتون يؤكد من خلال مقاله في الصحيفة الأمريكية: “لا سلام من دون إسقاط النظام الأساس الوحيد طويل الأجل للسلام والأمن في الشرق الأوسط هو في رأي الكاتب، إزالة النظام الإيراني الحالي؛ وقد رفض ترامب مواجهة هذه الحقيقة من قبل؛ ولا يوجد الكثير مما يدعو إلى الأمل في أن يفعل ذلك الآن”.
حرب إيران أضعفت “مصر والأردن”
وعلى جانب أخر؛ بينت تطورات الصراع في منطقة الشرق الأوسط،؛ فقد كشفت الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، طبقا لصحيفة “الإيكونومست”، عن تراجع نفوذ حليفتي واشنطن، مصر والأردن، وأظهرت محدودية قدرتهما على التأثير في التطورات الإقليمية، رغم تقديمهما نفسيهما منذ سنوات كركيزتين للنظام الإقليمي؛ وجد الأردن نفسه في قلب الصراع رغم تعهد الملك عبد الله الثاني بألا تكون بلاده “ساحة للصراعات الإقليمية”؛ واستضافة آلاف الجنود الأمريكيين جعلت المملكة هدفًا لإيران، التي أطلقت عليها 262 صاروخًا وطائرة مسيرة خلال الشهر الأول من الحرب؛ ويزيد اعتماد الأردن على واشنطن من صعوبة الابتعاد عن الوجود العسكري الأمريكي؛ فقد تلقى أكثر من 1.6 مليار دولار مساعدات أمريكية العام الماضي، فيما تعهدت واشنطن بـ355 مليون دولار إضافية؛ وألحقت الحرب أضرارًا بالاقتصاد، مع تراجع إيرادات السياحة 10% خلال الأشهر الأربعة الأولى من 2026، وارتفاع تكاليف الطاقة؛ أما مصر، فاقتصادها يبدو أكثر صمودًا، مع توقع نموه 4؛6% هذا العام، وارتفاع إيرادات قناة السويس 30% خلال النصف الأول من 2026، وتسجيل تحويلات المصريين في الخارج مستوى قياسيًا.
لكن استمرار الحرب قد يهدد هذه الموارد بسبب اضطراب الملاحة وتباطؤ اقتصادات الخليج؛ ونرى أن المشكلة الأكبر لمصر ليست اقتصادية، بل تراجع مكانتها ونفوذها؛ فبعد دورها المحوري في الوساطة خلال حرب غزة، تراجعت أهميتها في الحرب مع إيران لصالح باكستان وتركيا ودول الخليج؛ ورغم امتلاكها أكبر جيش عربي، لم تؤد القاهرة دورًا بارزًا في الدفاع عن حلفائها الخليجيين، ما أثار استياء بعضهم؛ وقال المستشار الدبلوماسي للرئيس الإماراتي أنور قرقاش: “أين أنتم اليوم في وقت الشدة؟”؛ وأعتبر أن الاتفاق الدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان يعكس شرق أوسط جديدًا، تتجه فيه دول المنطقة إلى تحمل مسؤولية أكبر عن أمنها، مع تراجع الثقة في الحماية الأمريكية، وهو واقع يفرض على مصر تحديدا إعادة النظر في دورها الإقليمي.
النظام الإقليمي وتراجع أمريكا
لقد أوشك النظام الذي تقوده الولايات المتحدة في الشرق الأوسط على الإنتهاء، واتفاقية مكة خير دليل على ذلك، فقد وقّعت باكستان والسعودية وتركيا في 7 أغسطس “اتفاقية مكة للدفاع المشترك”، التي يُعتقد أنها تتضمن بندًا شبيهًا بالمادة الخامسة في حلف الناتو، بحيث يُعد أي هجوم على دولة موقعة هجومًا على الدول الأخرى؛ لكن أهمية الاتفاقية تكمن في كونها مؤشرًا على تحول النظام الإقليمي وتراجع الدور القيادي للولايات المتحدة؛ منذ سبعينيات القرن الماضي، قادت واشنطن منظومة إقليمية ضمت دولًا عربية وإسرائيل وتركيا، بهدف حماية تدفق النفط، ودعم أمن إسرائيل، ومنع ظهور قوة إقليمية قادرة على تحدي النفوذ الأمريكي؛ لكن هذه المنظومة تعرضت لضغوط متزايدة بسبب الغزو الأمريكي للعراق، والتردد في سوريا، والحرب في اليمن، وعدم رد واشنطن بشكل مباشر على الهجوم الإيراني على منشآت النفط السعودية عام 2019، إضافة إلى حرب غزة؛ كما أدى تغير السياسات الأمريكية من إدارة إلى أخرى إلى تراجع ثقة حلفاء واشنطن؛ فبينما أبرم أوباما الاتفاق النووي مع إيران، ألغاه ترامب، فيما تبدلت مواقف الإدارات الأمريكية تجاه قضايا الديمقراطية والأمن الإقليمي.
وبالنسبة إلى حلفاء الولايات المتحدة، أصبح السؤال الأساسي هو مدى استعداد واشنطن للدفاع عنهم عند تعرضهم لتهديد حقيقي، خصوصًا في ظل سياسة ترامب المتأرجحة بين استخدام القوة والتهديد بها والتفاوض؛ وكانت “اتفاقيات أبراهام” قد بدت فرصة لتعزيز النظام الأمريكي في المنطقة، لكن هجوم حماس والحرب في غزة والتوترات السعودية الإماراتية والحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران ساهمت في تفككه؛ وتبحث السعودية الآن عن خيارات أمنية وسياسية بديلة، لا تعتمد بالكامل على واشنطن؛ وترى الرياض في التعاون مع تركيا وباكستان وسيلة لبناء نظام إقليمي يمنحها وشركاءها نفوذًا أكبر؛ كما تمنح اتفاقية مكة تركيا وباكستان حضورًا أقوى في الخليج، بالتزامن مع طرح السعودية وتركيا إعادة توجيه الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا عبر السعودية والأردن وسوريا وتركيا بدلًا من إسرائيل؛ ونرى أن الشرق الأوسط قد يتجه إلى نظام منقسم بين دول متمسكة باتفاقيات أبراهام، وكتلة بديلة تقودها اتفاقية مكة؛ ونخلص إلى أن الولايات المتحدة لم تعد الرابط الذي يجمع النظام الإقليمي، وأنه بعد خمسة عقود لم يعد بالإمكان الحديث عن نظام شرق أوسطي تقوده واشنطن.
الكاتب الصحفي والباحث في العلاقات السياسية الدولية









