اختلط الحابل بالنابل في الإعلام المسرحي بشقيه الصحفي والنقدي ، فلقد تداخلا حتى أنه لم يعد أحد يشغل نفسه بالتفرقة بينهما ، ما بين قصائد بل معلقات مديح ونفاق زائف، تمليها التوازنات والمصالح وتأمين التواجد على الساحة ، أو سيل من التشنجات وإطلاق اللعنات الممزوجة بصيحات الغضب من كهنة المعبد النقدي المتكلسين فكريا وفنيا المصابين بالعشى النقدي ما يدلل على ضعف بصرهم وبصيرتهم في تناول العمل إلا من زوايا ضيقة تخصهم وحدهم محاولين فرضها على العروض وعلى الجانب الآخر يقف ندرة من النقاد الشرفاء بلا توازنات يؤدون دورهم في النقد المسرحي ، وهناك فئة من النقاد الأكاديميين الذين لا يفرقون ما بين لغة يكتبون بها مقالاتهم وتناسبها وأماكن نشرها أو الإفصاح عنها في الندوات ، إذ يغلب عليهم لغة أكاديمية متقعرة تخاطب طلاب النقد ودارسيه ولا تعرف كيف تصل بنقدها للجمهور بغية الارتقاء بذائقته الجمالية .
ولابد للناقد أن تتوافر فيه الخبرة والممارسة للنقد التطبيقي، بعيدا عن الانطباعية والمشاعر السطحية العشوائية اللحظية ، وفي ظل من علمه بالاتجاهات النقدية وتحليل العروض واضعا في اعتباره أن المسرح باقة ممتعة فكرية ذهنية بصرية سمعية في انصهار وتوازن دقيق للمضمون الفني والاجتماعي ثري المعاني، عميق التأثير الآني والممتد لما بعد ، لما يحتويه من إيقاع درامي ساخن هو المحصلة النهائية لتضافر وانصهار وانسجام مكونات أو عناصر العمل الدرامي وأحداثه بتدرجاتها واختلاف شدتها، تنوعها ، جذبا ، استثارة، توترا ، تشوقا ترقبا لنهاية العمل ، لضمان أعلى وأفضل تفاعل ذهني وعاطفي ووجداني من المتابع .
المقالة النقدية تتكون من عناصر محددة لابد من توافرها، تلك العناصر يجب أن تكون متوازنة ومترابطة، ولكن الأساس الفعلي ضمير ونزاهة الناقد والسمو فوق المشاعر الشخصية الصداقات والخلافات الشخصية، وإلا فليمتنع عن الكتابة في حال لم يطمئن ضميره ولا عقيدته أثناء كتابة مقاله.
المقالة النقدية تتكون من:
أولا: مقدمة خبرية تأريخية للعرض:
علي مسرح ….. تعرض فرقة ….. التابعة لكذا (المسرح الحكومي أو القطاع الخاص أو الجامعي أو الطلابي أو الفرق الحرة أو ….. ) مسرحية …… بطولة ….،……، …….، مع ( باقي أسماء الممثلين )،ديكور …… ، إضاءة…….، صوت…….،ملابس …..، موسيقى وألحان ……،استعراضات …….، أشعار ………، مساعدو الإخراج …………………، تأليف أو إعداد أو اقتباس …………..، إخراج …………….
ثانيا : سرد موضوع المسرحية دون إسهاب في بضعة أسطر ، بعيدا عن التطويل بحيث يتواءم ويفسح مجالا لائقا متوازنا لتناول فنيات العرض ، دون الاستغراق في تحليل النص الأدبي للمسرحية ، وليكن محور عمله وجل اهتمامه بنص العرض المنفذ أمامه، وتقييم عناصر العمل الدرامي (قصة ،حبكة ،شخصيات،ذروات،نهاية) مع فنون الأداء التمثيلي ، تنوع الشخصيات وتباينها، الحوارات المتقنة ، الديكور ، الموسيقى،الأغاني ، الرقصات ، الملابس ، الأغاني ، الإكسسوارات.
ثالثا :التركيز الشديد في العرض في تحليل عميق شامل متأني برؤية ناضجة عميقة يمكنه من كتابة نقده بعمق بعيدا عن السطحية والانطباعية الفجة مع استعراض كافة جوانب العرض، وكيفية تعامل المخرج مع مفردات عرضه أي السينوغرافيا ومدى ملاءمة ودقة توظيفها في العرض وتوازن تنفيذها بين الشكل والمضمون ، لتوصيل رسالة النص المسرحي في صورة تنجح في محاطبة وعي وإدراك الجمهور بحيث يستحوذ على اهتمامه فيتابع العرض والصراع المتنامي فيه متشوقا مترقبا مستمتعا متلهفا لمعرفة النهاية .
والسينوغرافيا في حقيقتها بلاغة فنية لها مفرداتها ، السينوغرافيا فن تشكيل الصورة المسرحية والتي تشمل نواطق ( الحوار المؤثرات الصوتية الموسيقى الأغاني وصوامت( الإضاءة بألوانها ودرجاتها ومؤثراتها والظلال ،الديكور والاكسسوارات ،الأزياء ،الماكياج) وحركات (أداء الممثلين،الاستعراضات، الرقصات، والتعبير بحركات الجسد ..”الكريوجرافيا”) ، لتجسيد الخيال وإطلاقه على حسب نطاق رؤية المتفرج ، وتسهيل وتوسيع المعاني وإثراء الشكل الذي يقدم من خلاله موضوع النص ، والتأثير في وعلى الجمهور باستخدام البلاغة الفنية في صياغة العمل الفني ، ولكنها تصاغ في العمل الفني عامة والمسرحي خاصة ، ولما كان علم البلاغة يتضمن 3 فنون معروفة، وهي علم البيان وعلم المعاني وعلم البديع، والتي تصاغ في العمل الفني عامة والمسرحي باستخدام مزيج من الصورة والمسموع والمتحرك ، أو بعبارة أخرى الصوامت والنواطق والحركات ، يجتهد كل من المشاركين على اختلاف تخصصاتهم وعلى المخرج التوفيق بينها جميعا ليخرج العرض في صورته النهائية مجموعة من صور متتالية موزعة على مشاهد وفصول، وكما أن للنص وله مفرداته وبلاغته يستطيع مع باقي مكونات السينوغرافيا أن تتفادى المباشرة والصدام مع الأجهزة الرقابية باستخدام الأساليب البلاغية في الأدب بطريقة فنية مرتكزة على أركان علم البيان ما بين التشبيه، والمجاز، والاستعارة ، والتورية والاستعارة التصريحية أو المكنية والمناجاة ( المونولوج) والتضاد ،لتنتج كما من العلامات والرموز ( السيميائيات) تتيح نطاقا أوسع لتناوله من جانب النقاد للترجمة التفسيرية للنص (الهرمينوطيقا )،وتتبع وتذوق مكامن الجمال أو العوار في العرض (الاستطيقا)،في محاولة لاستفزاز وحث وتمكين الجمهور من تكوين صورة ذهنية تمكنه من التفاعل الأمثل مع العرض وأعلى درجات رقيه الإبداعي أن يستشعر الجمهور أنه جزء مما يحدث أمامه ليؤكد أن الحياة مسرح كبير نمثل فيه أدوارنا نتشاركها مع الغير إما متفرجين أو فاعلين في أحداث العرض.
وبعض العروض المسرحية تهتم جدا بالسينوغرافيا فن تشكيل الصورة المسرحية دون الالتفات إلى توافقها مع مضمون العرض مما يظهر العرض في صورة متنافرة مفككة أو متشظية بالمفهوم الشائع حاليا لدى النقاد )،ما ينعكس على عدم تفاعل الجمهور مع العرض بإيجابية .
رابعا : تحسس ورصد تفاعلية الجمهور والنظر إليها بعين الاعتبار إذ لابد من تحقق مستوى عال لدقة وتناسق محتوياته كل على حدة ، ومع بعضها البعض بغية تواصل الفنانين المشاركين مع الجمهور وانصهارهما شعوريا متفاعلين مع العرض ككل، ليصبح موصلا جيدا لكلمته ومضمونه ، ولا يتأتى هذا إلا بتلاشي الحدود والحواجز بينهما بعيدا عن المباشرة، والتوازن بين فنية العرض واجتماعيته ، بعيدا عن الإفراط والمبالغة ،وهذا يرتقي بالعرض ويدفع الفنانين لترقية أدائهم دوما للوصول على أعلى درجات الإجادة ، فيصبح الجمهور ذاته خير دعاية للعرض.
إن ردود أفعال الجمهور ناتجة عن إيقاع العرض بمفرداته ككل ما بين خفية مستترة ( التركيز..المتابعة ) وإيجابية ظاهرة أثناء العرض الساخن البعيد عن المباشرة بين تصفيق لمواقف بعينها في المشاهد المختلفة قد يصاحبها صيحات إعجاب، ضحك ، بكاء ، وصولا لانتظارهم ومتابعتهم العرض حتى نهايته وتحية الجمهور والتصفيق لهم وصولا للتصفيق وهم واقفون ،والتي قد تمتد لأكثر من 3إلى 5 دقائق لتشمل تحية كل المشاركين في العرض ونجومه أيضا ، مع الحرص على مقابلة النجوم بعد العرض والتصوير معهم ، مع تناوله إعلاميا بحرفية ومهنية بعيدا عن الكذب ومناقشته في البرامج ومقالات الصحف ووسائل التواصل الاجتماعي.
..ردود الأفعال السلبية خفية ( فقدان التركيز ..الملل) الظاهرة أثناء العرض البارد ،بدءا من جلسة التململ ، التأفف،صيحات استهجان وصولا للانصراف ومغادرة قاعة العرض دون انتظار نهاية العرض.
خامسا : التوازن العادل في الحديث عن الممثلين وادائهم بحيث لا يختزل عملهم حاصرا اهتمامه في البطل أو البطلة فقط أو نجوم العرض بل يجب أن يرى الجميع بعين المساوة في التقييم هل استطاع الممثل أن يؤدي دوره وعبره عنه تمثيليا بما يعمق من أدائه لدوره أو الشخصية التي يقوم بتأديتها ، ثم توازن الأداء التمثيلي للممثلين مع بعضهم البعض بحيث يجيب على السؤال هل توافقوا بأدائهم المتوافق المتوازن ككل على إبراز الشخصية التي يقوم بها ، مع باقي شخصيات العرض ، هل كانوا وحدة واحدة أم غلبت على الأداء الفردية وإبراز إمكانيات كل منهم على حدة .
سادسا: على الناقد التركيز في مقاله على العرض الذي حضره دون عقد مقارنات مع سابقة تقديمه من قبل أي ينقد العرض من حيث هو أمامه، ولا يطرح حلولا لمشاكل العرض ، ولكن يمكن مناقشتها مع المخرج فيما بعد ، أما عن الدراسات المقارنة عن تقديم عرض واحد فلها مناسبات أخرى ومواضع أولى بها ، وهي عبارة عن دراسات نقدية مقارنة ، ولكن عليه أولا أن يفي العرض حقه .
سابعا: لغة المقال تختلف كما أوردنا عن كونها في محفل أكاديمي عنها في محفل جماهيري أو ندوات تطبيقية تلي العروض ، ولابد للغة أن تكون غير متقعرة ، فصيحة مفرداتها مألوفة لجميع مستويات القراء ، مفسرة للمصطلحات التي تستخدم في موضعها مع شرح المصطلح بلغة سهلة ارتقاء بالذائقة المسرحية للقارئ من جهة ، وتوثيق العلاقة بين النقاد وصناع العروض المسرحية بعيدا عن الصراعات ، وإبراز دور كل منهما وتأثيره على الآخر موضحا من خلال نقده تلك العلاقة الوثيقة بين الناقد وصناع العمل والجمهور .
ثامنا : فيما يخص الناقد
- هناك فارق كبير بين التناول النقدي والمتابعة الصحفية من حيث الدقة والعمق والتخصص .
- لكل ناقد أسلوبه ورؤيته التي ينقد من خلالها العرض ما يجعله متميزا عن غيره .
- مرونة الناقد وأفقه المتسع وتوازن ثقافته وشخصيته ما بين الكلاسيكية والمعاصرة والاطلاع الدائم والمستمر على التطور الفكري والتطبيقي والتقنية للعروض واستيعابها.
- وحبذا لو استطاع الناقد الحصول على النص الأدبي ومقارنته بنص العرض لا تعرف على ما بذله المخرج مع المؤلف في إعداد ه للعرض وتنفيذه، ومن هنا تأتي الإجابة عن المخرج وتعامله مع العرش بحبكته وذرواته ومن ثم هل عزز أم قلل من النص الأدبي.










