أستاذ الحديث الشريف وعلومه في جامعة الأزهر
سألني عما يردده البعض في وسائل الإعلام ومواقع التواصل، من شواذ الفتاوى، ابتغاء المال والشهرة، من جواز إتيان المرأة في دبرها، مستدلين ببعض الأدلة التي توهم ذلك، وقال: إن كان ما يقوله هؤلاء خطأ؛ فَلِمَ لا تردُّون عليهم؟! وإن كان صحيحا؛ فَلِمَ سكتُّم عن بيانه؟!
والجواب: أن ما استدل به هؤلاء لا يخلو من وهم أو سوء فهم، ومثل هذا لا يسمى دليلا، وإنما يسمى شبهة؛ لأنه يؤدي إلى الاشتباه في الحكم، ومتعمد الاستدلال به – مع معرفته خطأه – ممن يحرفون الكلم عن مواضعه، ويتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم!
فأما استدلالهم بقول الله تعالى:”نساؤكم حرث لكم، فأتوا حرثكم أنى شئتم”؛ فلا دليل فيه ألبتة على ما ذهبوا إليه، بل فيه الدليل على خلافه، والوهم الذي جرّهم إلى اعتقاد أن الآية تبيح ذلك؛ سببه لفظ”أنى شئتم”، فإن معناه: من أي موضع أردتم، وعلى أي حال قصدتم. وهذا المعنى صحيح، لكنه معنى عام، وقد خصص، ودليل تخصيصه نفس الآية؛ فإنها سمت النساء (حرثا)، ثم أمرت بإتيانه على أي حال، والحرث هو موضع الإنبات، ولا إنبات في غير الفرج، وبلفظ (الحرث) استدل الشافعي على تحريم الإتيان في غيره على وجه الإتيان فيه، ومما يؤكد هذا المعنى سبب نزول الآية؛ فإنها نزلت – كما رواه الشيخان عن جابر – في اليهود حين قالوا: “إذا أتى الرجل امرأته في قبلها من جهة دبرها؛ جاء الولد أحول!”، فنزلت الآية ردا عليهم، وأنه لا يضر الولد، وأن للرجل أن يأتي زوجته كيف شاء، ما دام ذلك في موضع الحرث!
وقيل: إنها نزلت في نساء الأنصار حين تزوجن المهاجرين، فاختلفت عاداتهن في الجماع، حيث كانت نساء المهاجرين يُؤْتَيْنَ مقبلات، ومدبرات، وباركات، وعلى جنوبهن، وكان نساء الأنصار لا يؤتَيْن إلا مستلقيات منبطحات على ظهورهن، فامتنع نساء الأنصار مما يفعله نساء المهاجرين، فنزلت الآية تبيح ذلك، ما دام في موضع الحرث!
وأما المخصص الثاني لعموم الآية؛ فهي الأحاديث والآثار التي تنهى عن الوطء في الدبر، وتلعن فاعله!
قال القرطبي – ملخصا ما ذكرناه – ما نصه: “وما استدل به المخالف من أن قوله عز وجل: “أنى شئتم”؛ شامل للمسالك بحكم عمومها؛ فلا حجة فيها، إذ هي مخصصة بما ذكرناه، وبأحاديث صحيحة حِسانٍ شهيرة، رواها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنا عشر صحابيا، بمتونٍ مختلفة، كلها متواردة على تحريم إتيان النساء في الأدبار، ذكرها أحمد بن حنبل في مسنده، وأبو داود، والنسائي، والترمذي، وغيرهم ، وقد جمعها أبو الفرج الجوزي، بطرقها، في جزء سماه: [تحريم المحل المكروه]، ولشيخنا أبي العباس أيضا في ذلك جزء، سماه: ([ظهار إدبار من أجاز الوطء في الأدبار].
قلت: وهذا هو الحق المتبع، والصحيح في المسألة”.انتهى.
ومما استدل به المبيحون لهذا الفعل – اللوطية الصغرى – ما روي عن بعض السلف مما يفهم منه إباحته، وممن روي عنه جواز ذلك ابن عمر، وأبو سعيد، وجماعات من المتقدمين والمتأخرين!
والجواب عن هذا: أنه يجب حمله على أن مرادهم بالإتيان في الدبر؛ إتيانها في الفرج من جهة الدبر، كما بيّنه حديث جابر، والجمع واجب إذا أمكن.
وقد روى الدارمي في [مسنده]: حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا الليث، عن الحارث بن يعقوب، عن سعيد بن يسار أبي الحُباب، قال: قلت لابن عمر: “ما تقول في الجواري، أيحمّض لهن؟”. قال: “وما التحميض؟”. فذكر الدبر. فقال: “وهل يفعل ذلك أحد من المسلمين؟!”.
وكذا رواه ابن وهب وقتيبة عن الليث، وهذا إسناد صحيح، ونص صريح منه، بتحريم ذلك، فكل ما ورد عنه مما يحتمل ويحتمل؛ فهو مردود إلى هذا المُحْكَم!
قلت: ونفيه أن يكون فاعل ذلك من المسلمين؛ لعله لاحظ فيه قوله صلى الله عليه وسلم:”من أتى امرأة في دبرها؛ فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم”. رواه أحمد وأصحاب السنن بألفاظ متقاربة.
وعلى فرض صحة ما ورد عن هؤلاء؛ فهي زلة عالم، ولا ينبغي لمؤمن بالله واليوم الآخر أن يعرج في هذه النازلة على زلة عالم بعد أن تصح عنه … وقد روي عن ابن عمر خلاف هذا، وتكفير من فعله، وهذا هو اللائق به رضي الله عنه، وكذلك كذَّب نافع من أخبر عنه بذلك، كما ذكر النسائي … وأنكر ذلك مالك، واستعظمه، وكذَّب من نسب ذلك إليه … وقال مالك لابن وهب وعلي بن زياد، لما أخبراه أن ناسا بمصر يتحدثون عنه أنه يجيز ذلك، فنفر من ذلك، وبادر إلى تكذيب الناقل، فقال: “كذبوا عليّ، كذبوا عليّ، كذبوا عليّ”. ثم قال: “ألستم قوما عربا؟! ألم يقل الله تعالى:”نساؤكم حرث لكم”، وهل يكون الحرث إلا في موضع المَنْبت؟!”.
ومما يؤيد أنه يحرم إتيان النساء في أدبارهن؛ أن الله تعالى حرم الفرج في الحيض لأجل القذر العارض له، مبينا أن ذلك القذر هو علة المنع بقوله: “قل هو أذى، فاعتزلوا النساء في المحيض”، فمن باب أولى تحريم الدبر للقذر والنجاسة اللازمة، وبهذا استدل الشافعي أيضا على تحريم الإتيان في الدبر!
ولا يعترض على ذلك بجواز وطء المستحاضة؛ لأن دم الاستحاضة – وهو النزيف – ليس في الاستقذار كدم الحيض، ولا كنجاسة الدبر؛ لأنه دم انفجار العِرْق، فهو كدم الجرح!
ومما يؤيد منع الوطء في الدبر؛ إطباق العلماء على أن الرتقاء – والرتْق انسداد الفرج – التي لا يوصل إلى وطئها؛ مَعيبة، تُردّ بذلك العيب، قال ابن عبد البر: “لم يختلف العلماء في ذلك، إلا شيئا جاء عن عمر بن عبد العزيز من وجه ليس بالقوي؛ أن الرتقاء لا تُردّ بالرتْق، والفقهاء كلهم على خلاف ذلك”، قال القرطبي: “وفي إجماعهم هذا دليل على أن الدبر ليس بموضع وطء، ولو كان موضعا للوطء ما رُدّت من لا يوصل إلى وطئها في الفرج”.
فإن قيل: قد يكون رد الرتقاء لعلة عدم النسل، فلا ينافي أنها توطأ في الدبر؟
فالجواب: أن العقم لا يُردّ به، ولو كانت علة رد الرتقاء عدم النسل؛ لكان العقم موجبا للرد، وقد حكى القرطبي الإجماع على أن العقم لا يُردّّ به، في تفسير قوله تعالى: “فأتوا حرثكم”.
فإذا تحققتَ من هذه الأدلة أن وطء المرأة في دبرها حرام، وقد علمت أن قوله: “أنى شئتم” لا دليل فيه للوطء في الدبر؛ لأنه مرتب بالفاء التعقيبية على قوله: “نساؤكم حرث لكم”، ومعلوم أن الدبر ليس محل حرث!
ولا يُنتقض هذا بجواز الجماع في عُكَن البطن – جمع(عُكْنة)، طيّات البطن من السِّمَن – وفي الفخذين، والساقين، ونحو ذلك، مع أن الكل ليس محل حرث؛ لأن ذلك يسمى: (استمناء)، لا(جماعا)، والكلام في الجماع؛ لأن المراد بالإتيان في قوله: “فأتوا حرثكم” الجماع، والفارق موجود؛ لأن عُكَن البطن ونحوها لا قذر فيها، والدبر فيه القذر الدائم والنجس الملازم، وقد عرفنا من قوله: “قل هو أذى، فاعتزلوا النساء”؛ أن الوطء في محل الأذى لا يجوز. انتهى مستفادا من كتب التفسير، بتصرف كبير وزيادة للتوضيح والتيسير.
قلت: والعقل أيضا يمنع الإتيان في الدبر؛ إذ لا فائدة منه، بل فيه أضرار بالغة، للفاعل وللمفعول به، كما أثبته الطب الحديث، فأشبه إتيان الذكر الذكر؛ ولهذا سماه النبي صلى الله عليه وسلم: (اللوطية الصغرى)، ونَعَى لوط على قومه، فقال:”أتأتون الذكران من العالمين، وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم، بل أنتم قوم عادون”، فدل على أن المرأة إنما تؤتي من القبل – وهو موضع النفع والانتفاع منها – لا من الدبر، كما يؤتى الذكر؛ فإنه شذوذ عن الفطرة، كما أفهمه قول لوط!
وبعد: فماذا يريد منا متبعو الشهوات؟
والجواب: في قول الله تعالى:”والله يريد أن يتوب عليكم، ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما”.
وبالله التوفيق.










