في “إسنا”، تلك المدينة التي ترقد كحارس أمين على ضفاف النيل بمحافظة الأقصر، لا يمر العرس كحدث عابر، بل هو “طقس عبور” يُعاد فيه صياغة مفهوم الأخوة والرجولة. وإذا كانت الحناء في قواميس الأمم زينةً وميسمًا للرقة، فهي في “إسنا” ليلة الحنة للرجال هي “معمودية صوفية” من نوع خاص، حيث يتحول العريس من فرد إلى “أيقونة” يغمرها الأصدقاء بعجين الأرض ليصيغوا مجدها الجديد.
طقس “الدلق”: عراك المحبين
ليلة الحنة في مركز إسنا ليست “نقشاً” على الكف، بل هي ما نسميه بالعامية “الدلق”. يلتف الشباب حول العريس كحلقة الذكر، يحملون “الطشت” النحاسي أو البلاستيكي الكبير، وقد عجنت فيه الحناء حتى صارت كالحمم الباردة. وفجأة، وبلا مقدمات سوى زئير الدفوف وصيحات “الكف”، تتحول الأيدي إلى فُرش غاشمة ترسم على جسد العريس لوحة من اللون الأحمر القاني.
هذا “التلطيخ” الذي قد يراه الغريب فوضى، هو في حقيقته أسمى آيات التلاحم. إنهم يصبون عليه الحناء صباً، يغطون وجهه وصدره، في مشهد يعيد للأذهان احتفالات الخصوبة القديمة. الصديق هنا لا يضع الحناء ببرود، بل “يعركها” في جسد صديقه وكأنه يثبت له: “أنا معك، بصمتي على جسدك، وفرحك هو طيني الذي أتجمل به”.
الدلالة التاريخية: من المعابد إلى الساحات
إذا بحثنا في جذور هذه العادة، نجد أن إنسان “إسنا” المرتبط بمعبد “خنوم” وجد في الحناء مادة مقدسة. الحناء عند المؤرخ الإسناوي ليست صبغة، بل هي “فأل” و”بركة”. قديماً، كان يُعتقد أن “إغراق” العريس بالحناء يطرد عنه الأرواح الشريرة والحسد (النظرة)، فكلما زادت الحناء، زادت “التحصينة”.
إنها ليلة “كسر الهيبة”؛ فالعريس الذي سيصبح غداً “سيد الدار” ورب الأسرة، يُسمح له في هذه الليلة أن يكون “طفلاً” بين أقرانه، يُداعبونه بالصبغة، ويحملونه على الأعناق كبطل عائد من معركة، مغطىً بدموع الأرض الحمراء.
- “اللون الأحمر”
لماذا الإصرار على غمر الجسد كله؟
الإشهار البصري: يظل العريس في إسنا “محنىً” لعدة أيام، وهي علامة فارقة تخبر القاصي والداني بأن هذا الفتى قد “عبر” إلى ضفة المتزوجين.
التكافل: حين يخرج الشاب من بيت العريس ويداه ملوثتان بالحناء، فهو يحمل “وسام المشاركة”، إعلاناً بأنه قام بواجبه تجاه “عِشرة العمر”.
إن ما يفعله شباب إسنا في ليلة الحنة ليس مجرد لهو، بل هو “بيعة شعبية” للعريس. إنهم يدلقون الحناء عليه ليقولوا له: “إن جفت هذه الحناء عن جسدك، فلن يجف ودنا من قلبك”. إنها “إسنا” يا سادة، حيث تتحول الحناء من أداة تجميل إلى صك إخاء، ومن لون عابر إلى تاريخ محفور في الذاكرة الصعيدية.










