قد يمثل اتفاق مكة بداية أكبر تحول في الأمن في منطقة الشرق الأوسط منذ حرب الخليج الحالية، حيث تعمل المملكة العربية السعودية وتركيا والباكستان على إرساء أسس نظام إقليمي لم يعد مبنياً على الضمانات العسكرية الأمريكية؛ واعتبرت إحدى الصحف الأمريكية، أن الدول العربية في الخليج الفارسي قد قبلت بالواقع الجديد في مضيق هرمز، وهو أن إيران هي من تسيطر على الممر المائي؛ ذكرت الصحيفة “وول ستريت جورنال” أن منتجي الطاقة في الخليج الفارسي خلصوا إلى أن سيطرة إيران على مضيق هرمز ستصبح دائمة، ورغم أن هذا سيؤدي إلى تعطيل صادرات النفط والغاز وإمدادات الطاقة العالمية لفترة غير محددة، إلا أنهم باتوا يعتقدون أن العودة إلى الحرب أسوأ؛ ووفقًا للصحيفة الأمريكية، ترى دول الخليج الفارسي أنها تُفضّل الاتفاق الحالي المطروح لإعادة فتح مضيق هرمز على تصعيد التوترات بين إيران والولايات المتحدة.
الموقعون والتحديات المستقبلية
وفي التاسع من أغسطس الحالي كتب المحلل السياسي “تيموثي آش” وهو خبير اقتصادي واستراتيجي بريطاني يحظى باحترام كبير ومتخصص في الأسواق الناشئة؛
في جريدة “كلاش روبرت” التى تصدر فى تركيا باللغة الإنجليزية، أن “اتفاق مكة” الذي يربط باكستان والمملكة العربية السعودية وتركيا في اتفاقية دفاعية وأمنية جديدة تم توقيعها الأسبوع الماضي، يعد حدثًا تاريخيًا في الأمن الإقليمي؛ وتتفق الدول الثلاث على بند الدفاع المشترك وتعميق التعاون العسكري والأمني، مما يعزز اتفاق سابق ومماثل بين المملكة العربية السعودية وباكستان؛ وأضاف الكاتب، إن حقيقة شعور الثلاثة بالحاجة إلى التوقيع على مثل هذا الاتفاق هو انعكاس لتدهور الوضع الأمني في المنطقة في أعقاب الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران، والانتقام الإيراني آنذاك، بما في ذلك ضد دول الخليج؛ لكنه يعكس أيضًا فهمًا بأن الدعم الأمني الأمريكي للمنطقة لم يعد مضمونًا.
ويقول الكاتب “وبالتالي يتعين على القوى الإقليمية تكثيف جهودها وملء الفراغ؛ في الواقع، كما ثبت في حرب إيران الأخيرة، تستطيع الولايات المتحدة أن تتصرف، وهي تتصرف بالفعل، مع وضع مصالحها الخاصة في الاعتبار، وحتى عندما لا تتماشى هذه المصالح مع مصالح الحلفاء، أو حتى تتعارض معها”؛ وأضاف تيموثي آش: “وفي الواقع، يبدو أن الضربات الأمريكية والإسرائيلية قد عززت موقف إيران وقوضت الأمن في المنطقة، في حين أثرت سلباً على الاقتصاد العالمي على حساب الموقعين وغيرهم؛ ويهدف هذا الترتيب إلى إعداد الموقعين بشكل أفضل لمواجهة التحديات المستقبلية”.
لن نقف مكتوفي الأيدي
وأقول، إن حقيقة توقيع الاتفاقية في مكة، وتوقيع ثلاث دول إسلامية سنية عليها كأول دولة موقعة، ومن المتوقع أن تتبعها مصر، أعتقد أن المقصود منها أيضًا إرسال رسالة قوية إلى كل من إيران وإسرائيل مفادها أن الدول الإسلامية السنية القوية لن تقف مكتوفة الأيدي وتترك تصرفات المتطرفين في إيران وإسرائيل تهدد السلام والأمن في المنطقة؛ إنهم على استعداد للتحرك، على الرغم من أن الموقعين يقولون الكثير بأن هذا الاتفاق يهدف في المقام الأول إلى الردع والتنظيم الدفاعي، وليس التهديد لأي طرف آخر؛ إذا هاجمت أحد الموقعين عليك أن تفترض أن شركائهم في هذه الاتفاقية سوف يدافعون عنه؛ لقد عرفت باكستان وتركيا نقاط ضعف اقتصادية، ومن المفترض أن تستفيد كل منهما الآن من الاستثمارات والتمويل السعودي الذي تشتد الحاجة إليه في قطاعات الدفاع، ولكن أبعد من ذلك إلى اقتصاداتهما الأوسع؛ لكن القدرات العسكرية التركية والباكستانية، المدعومة بالتمويل السعودي، يمكن أن تغير قواعد اللعبة بالنسبة للقوى الثلاث مجتمعة والمنطقة ككل.
هناك العديد من التحديات التي تواجه الترتيبات الدفاعية الجديدة؛ وسيقوم رئيس الوزراء بمواجهة التهديدات المستمرة من إيران وإسرائيل إلى المنطقة الأوسع؛ ولكن أيضًا لكل منهما كيفية دعم الآخر دون الانجرار إلى الصراعات القائمة ونقاط التوتر، باكستان مع الهند والمملكة العربية السعودية في اليمن؛ والسؤال المباشر هو هل تتوقع المملكة العربية السعودية من باكستان وتركيا تقديم الدعم العسكري لمواجهة التهديد الذي يشكله الحوثيون في اليمن لحرية الملاحة في البحر الأحمر والبر الرئيسي السعودي؟، ومن الممكن هناك أن نتصور نشر الأصول البحرية التركية والباكستانية والطائرات بدون طيار وأصول الدفاع الجوي ولكن جميعها في وضع دفاعي؛ ومن المشكوك فيه أن ينضم أي منهما إلى المملكة العربية السعودية في عمل عسكري مباشر في اليمن نفسه.
اتفاق مكة والدور الأمريكي الإسرائيلي
ويمكن لـ”اتفاق مكة” أيضاً أن يجلب الفرص، فالدعم المالي السعودي الأكبر للجهود التركية الرامية إلى تحقيق الاستقرار في سوريا، وحتى في لبنان، سوف يحظى بتقدير كبير في المنطقة الأوسع، ولكن ربما ليس في إسرائيل؛ هناك إمكانية أن يشارك الثلاثة، ومصر، بشكل مشترك في منظمة الأمن الدولية المنصوص عليها في خطة ترامب للسلام في غزة، وإن كان ذلك يثير غضب إسرائيل بشكل واضح مرة أخرى؛ ومع ذلك، بتوقيع هذه الاتفاقية، يشير الثلاثة إلى أنهم يعتقدون أن هناك دورًا أكبر، بل ومسؤولية، للقوى المتوسطة في العمل على تحقيق قدر أكبر من الأمن في ساحاتها الخلفية؛ ومن المرجح أن نرى دولاً أخرى تنضم إلى هذا الكيان، ولكن هناك جهود أخرى لقطع الترتيبات الأمنية المتبادلة عبر هذه المنطقة ومع الآخرين، مع/إلى أوروبا، بما في ذلك أوكرانيا، مع انسحاب الولايات المتحدة أو يُنظر إليها على أنها شريك أقل موثوقية.
ومن المثير للاهتمام أن الولايات المتحدة رحبت بهذه الاتفاقية الدفاعية الجديدة ربما لأنها رأت كيف يمكن أن توفر حلولاً لمشاكل المنطقة وتسمح للولايات المتحدة بالابتعاد عن تاريخ من التدخلات الفاشلة في المنطقة؛ وإن كان ومازال ينظر الى تلك الدول مجتمعة أو منفردة من أنها تدور في الفلك الأمريكي وتطبق سياساته، ومن الجدير بالذكر أن قادة الدول الثلاث الموقعة على الاتفاق يتمتعون بعلاقات شخصية جيدة مع ترامب، ويعتبرهم من يحلون المشكلات وليس المشكلة.
العرب والواقع الجديد
في هذا الوضع؛ لا تستطيع دول الخليج الفارسي ضمان الأمن الكامل وانفتاح مضيق هرمز، ولم يعد بإمكانها الاعتماد عليه في النقل أو التجارة؛ لذا، ليس أمامها حاليًا خيار سوى الاستجابة جزئيًا لمطالب إيران”؛ ويبدو أن إيران تسعى أساساً للسيطرة ليس فقط على مضيق هرمز، بل على جميع جوانبه، سواءً أكانت التجارة أم صادرات النفط والغاز، وستفرض شروطها على دول الخليج الفارسي لاستخدامه، دون أن يُلمّح إلى أن أمريكا هي من تسببت بهذا الوضع؛ وبعد الهجمات الأمريكية على المواقع الإيرانية وإغلاق مضيق هرمز وتقييد حركة الملاحة فيه، كما أظهرت بيانات شركة “كيبلر” المتخصصة في بيانات السلع الأساسية، طبقا لما نشرته صحيفة وول ستريت جورنال أمس، انخفاض صادرات النفط الخام عبر مضيق هرمز إلى حوالي 2.2 مليون برميل يومياً الأسبوع الماضي، مقارنةً بحوالي 8.5 مليون برميل قبل شهر؛ وقبل النزاع، كان يمر عبر المضيق ما يقارب 20 مليون برميل من النفط ومشتقاته يومياً؛ وتُعدّ مخزونات النفط العالمية أقل مما كانت عليه قبل الحرب، إذ انخفضت بأكثر من 400 مليون برميل خلال الأشهر الستة الماضية؛ وهذا يعني أن السوق باتت أقل قدرة على استيعاب أي صدمة جديدة أو زيادة مفاجئة في الطلب.
وفي هذا السياق صرح المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، يوم الاثنين 10 أغسطس الحالي، بأن الممر المائي الاستراتيجي لن يُفتح حتى توقف أمريكا أعمالها العدوانية، بما في ذلك حصار الموانئ الإيرانية، وتدفع تعويضاتٍ عنها؛ وأضافت وول ستريت جورنال: “أن المسؤولين في الدول العربية بالخليج الفارسي تقبلوا احتمال بقاء أي اتفاق مع إيران، وبرنامجها الصاروخي، ودعمها لجماعات المقاومة في المنطقة، على حالها؛ وذكر التقرير أن التهديد الأكبر للمنطقة يتمثل في تصاعد التوترات ونشوب صراع طويل الأمد من شأنه أن يقطع المزيد من تدفقات الطاقة، ويؤدي إلى عزوف المستثمرين والسياح الأجانب؛ وقد ازداد إحباط المسؤولين في الدول العربية بالخليج الفارسي مما يرونه غياب استراتيجية واضحة من جانب الولايات المتحدة مع استمرار الحرب، وهو وضع يهدد أمنهم القومي واقتصاداتهم.
التهديد بالتصعيد والدول الإقليمية
وأشارت الصحيفة، إلى جهود بعض دول المنطقة لتجاوز مضيق هرمز، والتي باءت بالفشل تحت الإدارة الإيرانية، ومن جهة أخرى، إلى هجمات حركة أنصار الله اليمنية على شحنات النفط السعودية التي تُضخ عبر شبه الجزيرة العربية إلى البحر الأحمر، موضحةً أن كل هذا يُظهر هشاشة الطرق البديلة عبر مضيق هرمز؛ ويقول المسؤولين في الدول العربية بالخليج الفارسي إن نظراءهم الإيرانيين هددوا طوال فترة النزاع باستهداف البنية التحتية للطاقة في المنطقة إذا نفذ دونالد ترامب تهديداته بتصعيد التوترات؛ وفي الأيام الأخيرة، أصدرت إيران تحذيرات بأنها ستستهدف جميع منشآت الطاقة في الخليج الفارسي؛ ويقرّ مسؤولون إقليميون بأن منشآت الطاقة وتحلية المياه في بلادهم عرضة للخطر، ومن المرجح أن تكون أهدافًا رئيسية لإيران كوسيلة لتعطيل إمدادات الطاقة والضغط على الولايات المتحدة.
بحسب بيانات حالة وأحداث النزاعات المسلحة، وهي منظمة أمريكية لرصد النزاعات، نفّذت إيران وجماعات المقاومة في العراق، بين 28 فبراير و30 يوليو المنصرم، ما لا يقل عن 172 هجومًا على البنية التحتية المدنية في ست دول عربية في الخليج الفارسي ردا على ما أحدثه القصف الأمريكي على الدولة الإسلامية؛ استهدف نحو نصف هذه الهجمات منشآت الطاقة، بما في ذلك منشآت النفط والغاز ومحطات توليد الطاقة وتحلية المياه؛ وأوضح “آلان والد”، الباحث البارز في مركز الطاقة العالمي التابع للمجلس الأطلسي، أن اتفاقًا قصير الأجل لإعادة فتح المضيق قد يُسهّل شحنات الطاقة عبر الخليج الفارسي، لكنه لن يُزيل التهديد.
الكاتب الصحفي والباحث في العلاقات السياسية الدولية









