تقول فيرجينيا وولف أن أي عمل أدبي غير معروف كاتبه فلتعلم أن الكاتب إمرأة. لذلك هناك تساؤل يفرض نفسه لماذا ” ألف ليلة وليلة” ذلك الكتاب البديع الذي ترجم لعشرات اللغات لا يحمل اسم كاتبه؟ نستطيع أن نقول الآن أن من كتبت هذه القصص على لسان “شهرزاد” ليست إلا “شهرزاد” أخرى خشيت أن يحكم على عملها بالقتل مِن قِبل مَن يحكمون على المرأة بالصمت وأن تكون ظلا للرجل. تطرح فيرجينيا وولف – في مقالها “غرفة تخص المرء وحده” والذي يعد ركيزة أساسية في الفكر النسوي والنقد الأدبي – فكرة أصيلة وهي أن المرأة تحتاج إلى :” المال وغرفة خاصة بها” كي تتمكن من الكتابة بحرية. هناك أمثلة كثيرة عن منع المرأة من الكتابة ومثال ذلك ما فعله الكاتب الإنجليزي صامويل بيبيس – والذي اشتهر بكتابة يومياته التي استغرقت عقدا من الزمان – بزوجته إليزابيث وبما كانت تكتب, لقد قام ببساطة بتدمير كل ما كتبته زوجته.
قامت د. صفاء النجار في مجموعتها القصصية “الدرويشة” بتقسيمها إلى ثلاث أجزاء رئيسة وهي يوميات سندريلا في القصر , الظل والتيه, ورم مشاكس يؤنس وحدتي. تجاوزت د. صفاء في “يوميات سندريلا في القصر” القصة الخيالية “سندريلا ” والتي كتبها الأخوين جريم والتي تتسم بالبساطة والمباشرة واحتوائها على درس أخلاقي في انتصار الخير متمثلا في “سندريلا” على الشر متمثلا في زوج أبيها وابنتيها. فالقصة لا تمثل كيانا متكاملا كالجسد ولكنها تشبه جسدا عبارة عن جلد وعظم فقط, إنها وببساطة قصة الفتاة التي تنتقل من الفقر إلى الغنى لزواجها من الأمير. وجدنا “سندريلا” في مجموعة :”الدرويشة” تتساءل وتفكر في حياتها الجديدة. فكان ما يؤرقها حين تنظر من “شرفتها في المساء وترى قسما أو ضاحية من ضواحي المدينة مطفأ الأنوار, كانت تستدعي مشرف القصر وتطلب منه أن يخفف من إضاءة القصر.. هل سيعجب الأمير بسندريلا المتقشفة؟ أم أن وزير الملك سيحذره من نزعة اشتراكية بدأت تسري همهماتها بين الشعب” ( 14) نرى “سندريلا” تفكر في المساواة وتحقيق العدالة. لقد مُنِحت “سندريلا” صوتا مختلفا و “طاقة وقدرة على الكلام لم تكن لها من قبل” (16) لقد مُنِحت الحرية والحق في التعبير عن آرائها والتفكير بطريقة لم يمنحها مؤلفا القصة الخيالية التي نعرفها جميعا. كان الملك يتابع “مشاكسات سندريلا ووزيره الأول, بل إنه كان يشجع كلا الطرفين” (18) عرفنا أيضا سبب اختيار الأمير لها من بين كل الفتيات المدعوات للحفل واعترفت “سندريلا” للأمير بأن “جنية” ساعدتها لحضور الحفل فابتسم ولم يعترض بل قال لها :” جئت كي تكوني أرضي, عصاي التي أتكيء عليها, جئت كي تمنحيني اسما, فقد مللت طوال دهور طويلة والكبار والصغار يرددون سندريلا والأمير, دون أن يتساءل أحدهم عن اسمي.. أو يفكر في أن يمنحني أبسط حق الإنسان “اسمه”.” وهنا ” ابتسمت سندريلا, الآن أخمن لماذا اخترتني.” أجاب :”نعم. لأنك وحدك دون كل المدعوات من سألتني عن اسمي.” (23)
في الجزء الثاني من المجموعة والذي يحمل عنوان رئيس ” سنوات الظل والتيه” ماذا يحدث عند قراءة “الحلم الذي لن أرويه لجدتي” و”الدرويشة والمريد” بالنسبة لي أقرأها وكأنني في حلم حقيقي لا أريد أن ينتهي ولكنك تجد نفسك تلهث مع البطلة ولكنه ينتهي بسرعة أسرع مما أتوقع ثم أجدني أخرج من حلم لأدخل في آخر بدأ وذلك عند الانتقال من قصة لأخرى نجد اللغة هي لغة الأحلام والصور السريعة المدهشة هي صور الأحلام. وفي “الزمن الأسطورة والأزرق الحار” تتساءل الراوية :” هل تتصورين الخط المستقيم يظل مستقيما على مدى رؤيتنا فقط, لكنه في حقيقته في لحظة ما ينحني ويتحول لقوس, وأن هذه الأقواس والمدارات والانحناءات هي الأبدية” (78) حين تطرح الأسئلة لا تنتظر الإجابات وكأن الزمن وحده هو الكفيل بتحديد الإجابات وقتما يشاء وتنتظر من القاريء أن يحاول وضع إجابات بنفسه فتتغير الإجابات من قاريء لآخر.
أما قصة “كوشينا” فنرى الراوية ترسل رسالة للقطة والتي تحمل القصة اسمها. تمضي في رسالتها حين تحدثها عن دراستها للغة الروسية دون علم أحد بذلك السر ولكنها عجبت لزميلة لها تخاطبها متسائلة :”هل تدرسين الروسية شغفا بهذه اللغة؟” كان السؤال مفاجئا حتى أنها أصابتها نوبة من الضحك وردت على زميلتها والتي هي في سن ابنتها قائلة :” لم أستطع أن .. أصدمها بمعنى الشغف عند من يقتربون من الخمسين. الشغف يا بنتي يتسرسب منا طوال الثلاثينيات وعندما نأخذ مقعدنا.. في الأربعينيات تصبح هذه الكلمة بلا معنى..” (82-83) إن قصة “كوشينا” تلمس القلب حين لم تجد الراوية أحدا تخاطبه بما يدور في خلدها سوى القطة التي حتى لم تستطع أن تحبها أو تتقبل اسمها الغريب. أما في قصة “تدريبات للحياة” تحاول البطلة ألا تستسلم للخوف ويدفعها ذلك الشعور لتعلم السباحة وهي في سن الأربعين. تحاول جاهدة ألا تستسلم لأن “الاستسلام دوما يعني الموت” (89)
في القصص الثلاث المتتالية :”الزمن الأسطورة والأزرق الحار” و “كوشينا” و”تدريبات للحياة” تحدثنا راوية هذه القصص دون أن نعرف اسمها كي تكون تلك المتحدثة هي كل واحدة منا حين نخاطب من لا يسمعنا ومن لا يستطيع أن يفهمنا وتحاول أن تتعلم وإن كان الشغف يُوَلِد حزنا أو خديعة. إنها فقط لا تريد الاستسلام لذلك تحاول أن تتعلم الروسية وتتعلم السباحة وإن فقدت الشغف. هي ببساطة لا تريد الاستسلام لأنه يعني الموت. وفي نهاية “تدريبات للحياة” تنهي العبارات الأخيرة بسؤال :” الاستقامة والتوازن هما سر البقاء, وماعداهما أشياء ثانوية, لكن من منا يتحمل تكلفة الاستقامة؟” (90)
في الجزء الثالث من “الدرويشة” الذي يحمل عنوان “ورم مشاكس يؤنس وحدتي” هناك نوع من الألم يشبه الجحيم حيث لا شيء يشتعل ولكن الروح تذوي مع آلام الجسد. تحكي الراوية قصة آلام إيمان وتلك الصرخات التي لم تصرخها لكن كل من اقتربوا منها سمعوا الصوت يدوي حتى جاءت اللحظة التي سألت عن موعد الخلاص. تحكي الأخت عن الألم الذي تعانيه “إيمان” وعن ذلك الإرث الذي انتقل من الجدة للحفيدات وكيف أن ذلك المرض شبح أسود يطارد البنات ويترك الأمهات للوعة الفقد والألم. في الصوت والصدى نشعر بزفرات المعاناة من قبل الأخت التي تروي عن ذلك الورم المشاكس الذي وصفته بأنه يؤنس وحدتها وكأنه تحول من عدو إلى صديق وكأنه صديق إجباري فرض نفسه عليهن. تصبح الرسالة النصية الأخيرة من “إيمان” رسالة حب وأمل وطبطبة من أختها حين توصيها بأن تذكر “محمد” و”ملك” بأمهما وبحبها لهما رغم الأسى الذي يقطر من الكلمات إلا أنها تريد أن تخبرهما بأنها تحيا بحياتهما. لكن الأخت تفتقد “إيمان” في الرسائل النصية التي لم ترسلها. إنها غابت بجسدها ولكن الأثر ما زال باقيا وبشدة. نرى الكاتبة “صفاء النجار” تغزل حكاياتها بخيط من حرير وتأخذنا ببراعة من حكاية لأخرى نعيش مع “سامية” حلمها ومع الدرويشة في سكينتها وجلستها في ركن من أركان بيتها وكأنها “تراقب حركة العالم” (41) ونحن معها حتى جملة النهاية.











