تتزايد حالة الإحباط وفقدان الثقة بالولايات المتحدة بين دول الخليج بسبب إدارة الرئيس دونالد ترمب للحرب مع إيران، إذ يرى مسؤولون عرب وغربيون أن سياساته متقلبة وغير قادرة على إنهاء الصراع دبلوماسياً؛ تشعر السعودية والإمارات وقطر والكويت والبحرين بأن استمرار الحرب والهجمات الإيرانية والجماعات المتحالفة معها جعلها تدفع ثمن حرب لم تكن ترغب فيها؛ بدأت بعض دول الخليج تبحث في جدوى استمرار استضافة القواعد والمنشآت العسكرية الأمريكية، مع التفكير في تنويع الشراكات الأمنية؛ اعتُبر اتفاق الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان رسالة إلى واشنطن بأن دولاً خليجية بدأت تبحث عن بدائل أمنية، رغم أن الولايات المتحدة لا تزال الشريك الأمني والعسكري الأهم للمنطقة؛ يرى محللون أن هذه التطورات لا تمثل بعد تحولاً جذرياً في علاقة الخليج بواشنطن، لأن دول المنطقة لا تملك بديلاً فورياً عن الدعم العسكري والاستخباراتي الأمريكي؛ يرى محللون آخرون أن الإحباط الخليجي بدأ منذ اندلاع الحرب، وأن سياسة ترمب تجاه إيران توصف بأنها متقلبة وغير قابلة للتنبؤ.
تزايد حالة “الإحباط” في الخليج
كما تراجعت الثقة بالولايات المتحدة لأن بعض حلفائها باتوا يرون أن وجودها وسياساتها في المنطقة قد تجعلهم أقل أمناً بدلاً من أن تزيد أمنهم؛ تتعرض السعودية لضغوط كبيرة بسبب الهجمات الإيرانية وهجمات الحوثيين المدعومين من إيران، والتي استهدفت البنية التحتية للطاقة وحاولت التأثير في مضيق باب المندب؛ كما أصبحت السعودية تعتمد على موانئ البحر الأحمر بعد إغلاق إيران مضيق هرمز؛ وتغيرت مواقف دول الخليج من الحرب؛ فعُمان عارضتها منذ البداية، بينما لم تكن السعودية والإمارات والبحرين معارضة لها في مراحلها الأولى، أملاً في تحقيق انتصار سريع؛ لكن هذه النظرة تغيرت عندما اتضح أن الحرب لن تؤدي سريعاً إلى سقوط النظام الإيراني أو إعادة فتح مضيق هرمز.
أثارت التقلبات الأمريكية مزيداً من القلق، خصوصاً أن مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية في يونيو لم تعالج، وفق الرؤية الخليجية، المخاوف الأساسية، مثل الصواريخ الباليستية الإيرانية ودعم طهران للجماعات الوكيلة؛ لذلك اعتبر بعض المسؤولين أن الاتفاق لم يكن كافياً وانتهى سريعاً؛ في المقابل، تؤكد إدارة ترمب أن الدبلوماسية كانت خيارها المفضل، لكنها حملت إيران مسؤولية التصعيد بسبب هجماتها على القوات الأمريكية ودول المنطقة؛ رغم الغضب من واشنطن، لا تستطيع دول الخليج حالياً التخلي عن شراكاتها الأمنية معها، بسبب اعتمادها الكبير على الأسلحة والذخائر والمعلومات الاستخباراتية والدعم العسكري الأمريكي؛ وهكذا تعيش دول الخليج تناقضاً واضحاً: غاضبة من الولايات المتحدة بسبب الحرب، لكنها في الوقت نفسه تعتمد عليها لحماية أمنها.
إيران، مضيق هرمز والرغبة الخليجية
كما بدأ يظهر غضب متزايد تجاه إيران بسبب استمرار الهجمات ورفضها إعادة فتح مضيق هرمز؛ استمرار الحرب يهدد الاقتصاد الخليجي، خصوصاً مع اقتراب موسم الخريف الذي يشهد عودة المؤتمرات والقمم والمهرجانات وسباقات الفورمولا واحد؛ كما أن الدورة العاشرة من مبادرة مستقبل الاستثمار السعودية، المقررة في أواخر أكتوبر والمعروفة بـ”دافوس الصحراء”، قد تكون اختباراً لمدى استعداد المستثمرين والمسؤولين الدوليين لزيارة المنطقة في ظل استمرار عدم الاستقرار؛ رغم استمرار إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية على الكويت، عادت الحياة إلى حد كبير لطبيعتها، واستأنفت الشركات أعمالها والتدريس الحضوري، مع تخفيف الإجراءات الأمنية؛ يبرز اتساع الفجوة بين دول الخليج والولايات المتحدة بسبب طريقة إدارة ترمب للحرب مع إيران، مع تزايد الرغبة الخليجية في تنويع الشراكات الأمنية؛ ومع ذلك، يبقى الاعتماد على واشنطن كبيراً، ما يجعل دول الخليج عالقة بين الغضب من السياسات الأمريكية والحاجة إلى الحماية والدعم الأمريكي.
وفي الأسبوع الماضي، هز زلزال جيوسياسي صغير الشرق الأوسط؛ فقد تعهدت السعودية وتركيا، وهما دولتان كانتا في حالة عداء معلن إحداهما تجاه الأخرى خلال جزء كبير من العقد الماضي، بخوض الحرب دفاعا عن بعضهما بعضا؛ وإلى جانب باكستان، وقعتا اتفاق مكة للدفاع المشترك، معلنة، على غرار حلف شمال الأطلسي، أن أي هجوم على إحداها سيعامل باعتباره هجوما على الجميع؛ لطالما جمعت باكستان والسعودية علاقات أمنية وثيقة؛ لكن السعودية وتركيا كانتا خصمين إقليميين لدودين، تصادمتا بشأن قطر ومصر وجماعة الإخوان المسلمين، والأشد انفجارا، مقتل جمال خاشقجي في إسطنبول، وهي الجريمة التي بدا أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يحمل مسؤوليتها مباشرة لولي العهد السعودي محمد بن سلمان؛ فما الذي جمعهما إذن؟.
تبديد مصداقية واشنطن
الرئيس ترامب، أو بالأحرى تراجع ثقة البلدين به وبكلمته؛ كانت حرب إيران درسا نموذجيا في كيفية تبديد المصداقية؛ تذكروا أن السعودية وقطر حصلتا كلتاهما على تعهدات أمنية من ترامب في العام الماضي فقط؛ لكن كلمة ترامب أمام نظرائه في الخارج ليست أكثر صلابة مما كانت عليه أمام المصرفيين الذين تعامل معهم في نيويورك؛ لقد أعلن مرارا أن الاتفاق مع طهران لا يفصلنا عنه سوى أيام؛ وبحلول منتصف يونيو، أحصى أحد التقديرات ما لا يقل عن 38 تصريحا قال فيها إن الاتفاق بات وشيكا، أو إن إيران تتوق بشدة إلى إبرامه؛ ومع ذلك، قال مصدر إيراني لرويترز هذا الأسبوع إن المفاوضات لم تحقق “أي تقدم على الإطلاق”؛ لقد تعلم العالم أن يتعامل مع إعلاناته على “تروث سوشيال” باعتبارها مزيجا من الحقيقة والخيال، أشبه ببعض مقاطع الفيديو المولدة بالذكاء الاصطناعي التي ينشرها؛ والنمط نفسه ظاهر في أوروبا.
في مايو، أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية أن خمسة آلاف جندي أمريكي سيغادرون ألمانيا، وألمح ترامب إلى أن مزيدا من التخفيضات قادم؛ ثم ألغى البنتاغون خطة لنشر نحو أربعة آلاف جندي في بولندا؛ وبعد أيام، أعلن ترامب أن خمسة آلاف جندي إضافي سيتوجهون إلى بولندا؛ تارة يهدد بعدم الدفاع عن أوروبا في مواجهة روسيا، وتارة أخرى يقول إنه سيدافع عنها؛ تخيل أنك وزير دفاع أوروبي تحاول بناء خطة عسكرية لعشر سنوات على أساس هذا كله؛ هذا الأسبوع، أعلن ترامب أن الولايات المتحدة باتت تملك “سيطرة كاملة” على مضيق هرمز؛ لكن بيانات تتبع السفن سجلت في أحد الأيام الأخيرة عبور 14 سفينة فقط، مقارنة بأكثر من 130 سفينة يوميا قبل الحرب؛ المسألة هنا ليست مجرد أسلوب رئاسي أو خطاب سياسي؛ إنها تمس جوهر القوة الأمريكية.
تحول الخيارات والمصالح
اختارت الدنمارك منظومة الدفاع الجوي الفرنسية-الإيطالية SAMP/T بدلا من منظومة باتريوت الأمريكية؛ وأصبحت كندا تعيد النظر في مشترياتها من مقاتلات إف-35؛ وتستثمر الحكومات الأوروبية بكثافة في صناعاتها العسكرية المحلية؛ وباتت كوريا الجنوبية ثاني أكبر بائع للأسلحة إلى الدول الأوروبية الأعضاء في الناتو، كما تساعد في تزويد دول الخليج بمنظومات للدفاع الجوي أقل تكلفة من باتريوت؛ ونقل البنك المركزي الهولندي خدمات سحابية حيوية إلى مزود أوروبي، في محاولة لتقليص الاعتماد على التكنولوجيا الأمريكية؛ والآن تبني السعودية وتركيا وباكستان هيكلا أمنيا خاصا بها؛ لا يمثل أي من هذه التحركات، بمفرده، قطيعة مع واشنطن؛ لكنها، إذا جمعت معا، تكشف عن فقدان متزايد للثقة في كلمة أمريكا.
والشيء نفسه يحدث مع التهديدات الأمريكية؛ فإذا هددت واشنطن بفرض رسوم جمركية، وانتزعت تنازلات، ثم عادت وهددت بالرسوم نفسها مرة أخرى، فإن الحكومات ستخلص إلى أن تقديم التنازلات لا يوفر لها الأمان؛ وبإعادة صياغة ما قاله رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في وقت سابق من هذا العام: “إذا كانت الدول تأمل أن يؤدي الامتثال إلى شراء الأمان، فلن يحدث ذلك؛ ومن ثم، تصبح الاستجابة العقلانية هي بناء البدائل”؛ حتى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لم يأخذ مقترحات ترامب بجدية كبيرة، إذ رفض هذا الأسبوع، باقتضاب وحسم، خطة الرئيس الأمريكي المكونة من 15 نقطة بشأن غزة؛ لقد شاهد كثيرا من خطط ترامب تعلن وسط ضجة هائلة، ثم تنسى بسرعة؛ هل تتذكرون خطة “ريفييرا غزة”؟، هكذا تتراجع القوى العظمى؛ ليس بالضرورة عبر هزيمة دراماتيكية كبرى، بل عندما يبدأ الآخرون، بهدوء، في التوقف عن تنظيم عالمهم من حولها؛ لا تزال الولايات المتحدة قوة هائلة؛ فهي تمتلك أقوى جيش في العالم، وتقنيات متقدمة في طليعة الابتكار، وأسواق رأس مال ضخمة، وتحالفات هائلة، والدولار.
وإلى لقاء آخر باذن الله.
الكاتب الصحفي والباحث في العلاقات السياسية الدولية










