يِقِفُ المُراقب للواقع المصريِّ اليومَ أمامَ مشهدٍ فريدٍ يُجسِّدُ في جوهرِهِ صراعًا فلسفيًّا وسياسيًّا بامتياز؛ فليس التغيُّر مجردَ انتقالٍ زمنيٍّ من ماضٍ إلى حاضرٍ، إنَّما هو اشتباك مستمر بين فكرةِ الدولة المركزية الصلبة ومتغيِّراتِ السيولة العالمية الرقميَّةِ وصولًا إلى الرقمنة الشاملة.
بالأمس، كان الحراك السياسي والاجتماعي في مصر يرتكز على مساحات مادية ملموسة؛ كالعمل في الحقول والمصانع، واللقاء في المقاهي الثقافية، والجامعات، والنقابات، وصالونات الفكر. واليوم، انتقل هذا الثقل من الواقع المادي إلى الفضاء السيبراني.
فلسفيًّا، تحول المواطن المصري من فاعل مادي يُشارك في صياغة مجاله العام إلى مُستهلك رقمي للمعلومة والحدث؛ وهو تحولٌ أفضى إلى اغتراب سياسي، تتداخل فيه حرية التعبير الرقمي مع الوهم بالقدرة على التأثير الفعلي في الواقع المعيش.
حيثُ يُمثّل التحول العمراني في مصر اليوم، والمتمثل في المدن الذكية والعاصمة الإدارية الجديدة، رؤيةً سياسيةً تُجسّد فلسفة الحداثة الرقمية.
كان الأمسُ المركز يدور في فلك النهر والوادي الضيق، ليصنع ثقافة التلاحم العضوي وتاريخًا متراكمًا في الريف وأحياء القاهرة العتيقة. وأما اليوم، فيتوارى المركز ليحل في الصحراء والضواحي الجديدة، محاولًا قطع حبل الوصال مع أزمات العشوائيات الماضية.
بالأمس، عَاشَ المجتمع المصري عقودًا من الحراك المدفوع بالأيديولوجيات الكبرى؛ من القومية الناصرية، إلى الليبرالية الوفدية، وصولًا إلى تيارات الإسلام السياسي. وأما اليوم، فيشهد الواقع أُفولًا لهذهِ الخطابات الكبرى لصالح براجماتية البقاء؛ إذ صَارَ الهمّ الاقتصاديّ والماديّ المُحرّك الأساسيّ للفعل اليوميّ بين المواطنين كافة.
هذا الانحسار الأيديولوجي ليس دليلًا على موت السياسة، وإنما هو إعادة تعريفٍ لها؛ إذ تحل قضايا التضخم، والشمول المالي، وتدبير الحياة اليومية، محل الجَدليَّات الفكريَّة التقليديَّة بين مُختلف التيارات.
وخلاصة القول:
إنَّ مصر اليوم تعيش مخاضًا بين نمطين؛ نَمَط الأمس المُتسم بالبُطء والاستقرار والارتباط بالتاريخ والمكان، وَنَمَط اليوم القائم على السرعة والرقمنة والمشروعات القومية الطَمُوحة، في ظل ضغوط اقتصادية خانقة. والرِهان السياسيّ الحقيقيّ اليوم يَكْمُن في كيفية بناء حاضر مادي حديث، دونَ التفريط في العمق الإنساني والاجتماعي الذي طالما مَيّزَ الشخصية المصرية عَبرَ التاريخ.
الباحث في الشؤون السياسية والتربوية.










