تضامنا مع رئيسة المحكمة الجنائية الدولية القاضية توموكو أكاني
لم تعد المواجهة حول المحكمة الجنائية الدولية مجرد خلاف قانوني بين واشنطن ولاهاي. فالعقوبات الأمريكية الجديدة على رئيسة المحكمة، القاضية اليابانية توموكو أكاني، وعلى كبير محامي الادعاء عبد الله سيي (Abdoulaye Seye)، تمثل تصعيدًا خطيرًا ضد استقلال العدالة الجنائية الدولية.
و من موقعي الحقوقي والسياسي، اعبر عن تضامني مع القاضية توموكو أكاني ومع جميع قضاة ومسؤولي المحكمة الذين يتعرضون للضغط والعقوبات بسبب قيامهم بمهامهم القضائية، وارفض كل محاولة لإخضاع العدالة الدولية لمنطق القوة والابتزاز السياسي.
فلسطين لم تصل إلى لاهاي صدفة
لم تبدأ علاقة فلسطين بالمحكمة الجنائية الدولية بعد السابع من أكتوبر 2023.
ففي يناير 2015 انضمت دولة فلسطين إلى نظام روما الأساسي، وفي مايو 2018 أحالت الوضع في فلسطين إلى المدعي العام للمحكمة. وفي 5 فبراير 2021 قررت المحكمة، بأغلبية قضاتها، أن اختصاصها الإقليمي يشمل غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية، ثم أعلن المدعي العام في 3 مارس من السنة نفسها فتح التحقيق.
إذن، فالمسار الفلسطيني كان مسارًا قانونيًا ومؤسساتيًا، وليس مناورة سياسية مستحدثة بعد 7 أكتوبر.
عندما اقترب القانون من المسؤولين الصهاينة
بعد الحرب على غزة، اتسع التحقيق، وفي 20 مايو 2024 تقدم المدعي العام كريم خان بطلبات لإصدار مذكرات توقيف بحق قياديين صهاينة ، بينهم بنيامين نتنياهو و يوآف غالانت.
وفي 21 نوفمبر 2024 أصدرت المحكمة مذكرتي توقيف بحقهما، بعدما رفضت الطعون الصهيونية في اختصاصها. ووجدت الدائرة التمهيدية أسبابًا معقولة للاعتقاد بمسؤوليتهما عن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بينها التجويع كأسلوب من أساليب الحرب والقتل والاضطهاد وأفعال لاإنسانية أخرى.
وهنا بدأت المواجهة تتخذ شكلًا جديدًا.
في 6 فبراير 2025، أطلقت إدارة ترامب نظام العقوبات ضد مسؤولي المحكمة، ثم توسعت العقوبات لتشمل قضاة ومدعين ومسؤولين آخرين. وفي 18 غشت 2026 وصلت إلى رئيسة المحكمة نفسها.
هل القانون الدولي للجميع؟
لنكن واضحين: الولايات المتحدة و عصابة الكيان ليستا طرفين في نظام روما، وتستندان إلى حجج تتعلق بالاختصاص والسيادة.
لكن المحكمة بنت اختصاصها في الحالة الفلسطينية على الاختصاص الإقليمي لفلسطين، وهي دولة طرف في نظام روما، وليس على جنسية الأشخاص الذين يجري التحقيق معهم. وهذا ما أكدته المحكمة عندما رفضت الطعن الصهيوني في الاختصاص.
ومن هنا يبدأ السؤال الأكبر:
هل يكون القانون الدولي عالميًا عندما يتعلق الأمر بالضعفاء، ثم يصبح “تجاوزًا للاختصاص” عندما يقترب من مسؤولين تابعين للقوى الكبرى؟
لا اقول إن المحكمة فوق النقد، ولا إن مذكرة التوقيف تعني إدانة قضائية نهائية. فالمحاكمة هي التي تحدد المسؤولية الجنائية وفق الأدلة والمعايير القانونية.
لكننا نقول شيئًا أبسط وأعمق:
لا يجوز أن يصبح القاضي نفسه هدفًا للعقوبات لأنه طبق القانون.
من فلسطين إلى لاهاي… سلسلة لا يمكن تجاهلها
تحقيق في الجرائم المحتملة في فلسطين.
ثم طلبات توقيف.
ثم مذكرات توقيف بحق نتنياهو وغالانت.
ثم عقوبات على المدعي العام.
ثم عقوبات على قضاة.
ثم ضغوط على منظمات حقوقية فلسطينية.
ثم العقوبات على رئيسة المحكمة.
قد يختلف المرء مع المحكمة في بعض قراراتها، وقد ينتقدها كما يشاء، لكن استهداف قضاتها ومسؤوليها بالعقوبات بسبب قيامهم بعملهم القضائي يهدد استقلال المؤسسة التي أنشأها نظام روما أصلًا لمواجهة أخطر الجرائم الدولية.
ولهذا فإن ما تتعرض له القاضية توموكو أكاني لا يعنيها وحدها.
إنه يعني كل قاضٍ ومدعٍ ومحامٍ وحقوقي يؤمن بأن القانون يجب أن يكون أقوى من السلطة، وأن العدالة لا ينبغي أن تتوقف عند حدود القوة السياسية.
نريد عدالة للجميع
نريد قانونًا واحدًا
من يرتكب جريمة حرب يحاسب، ومن يرتكب جريمة ضد الإنسانية يحاسب، أيا كانت جنسيته ومهما كانت قوته السياسية.
هذه هي العدالة التي نريدها.
أما القانون الذي يستطيع الوصول إلى المسؤول الضعيف، ويتوقف أمام المسؤول المحمي بالقوة العسكرية والسياسية، فإنه يتحول من أداة للعدالة إلى انعكاس لموازين القوة.
تضامننا مع رئيسة المحكمة… دفاع عن مبدأ
إن تضامني مع القاضية توموكو أكاني ليس تضامنًا شخصيًا فحسب، بل هو دفاع عن استقلال القضاء الدولي، وعن حق ضحايا الجرائم الدولية في الوصول إلى العدالة.
و إذ أدين العقوبات الأمريكية المفروضة عليها وعلى زملائها في المحكمة، أدعو الدول الأطراف في نظام روما، والمنظمات الحقوقية، وكل المدافعين عن القانون الدولي، إلى الوقوف بوضوح ضد محاولات إخضاع المحكمة للضغط السياسي والاقتصادي.
فالقضية في النهاية ليست: هل نؤيد المحكمة الجنائية الدولية أم نعارضها؟
القضية هي:
هل نريد قانونًا دوليًا يستطيع الوصول إلى الجميع، أم قانونًا دوليًا يُسمح له بمعاقبة الضعفاء فقط؟
لقد أصبحت فلسطين إحدى أهم ساحات اختبار هذا السؤال.
ومن فلسطين إلى لاهاي، المعركة ليست فقط من أجل محاسبة المسؤولين عن الجرائم، وإنما من أجل ألا يصبح الإفلات من العقاب امتيازًا تمنحه القوة.
كل التضامن مع القاضية توموكو أكاني وكل قضاة المحكمة الجنائية الدولية في مواجهة الضغوط والعقوبات.
العدالة الدولية لا تكون عدالة إلا إذا كانت للجميع.
21.غشت 2026
المنسق العام للشبكة الدولية للتضامن بين الشعوب










