تشهد أروقة المعاهد الأزهرية اعتماد نظام البكالوريا هذا العام تماثلًا مع المناهج الحديثة في منظومة التعليم العام، لتتجه الأذهان نحو العناية الكبرى بمسألة الفروق الفردية وطرائق التفكير المغايرة لدى الطلاب؛ ليتمكن صاحب كل ميل معرفي من اختيار وجهته التخصصية الملائمة لمهاراته الخاصة بكل طمأنينة، استعدادًا لمرحلة جامعية مرتقبة تثري حصيلته العلمية، وتسهم في بناء شخصيته المهنية القادرة على تلبية متطلبات بيئة العمل المعاصرة.
تعمد مؤسسات التعليم الأزهري قبل الجامعي نحو تجاوز طرائق التعليم التقليدية لتواكب متطلبات العصر التقني الحديث عبر إرساء دعائم نظام البكالوريا المصري لتطوير مخرجاتها وربطها بسوق العمل المعاصر بوعيٍ تامٍ ومسؤوليةٍ وطنيةٍ خالصةٍ؛ فالجهود المبذولة تستهدف توحيد الرؤى نحو مستقبلٍ تعليميٍ واعدٍ يسهم في بناء شخصيةٍ متكاملةٍ قادرةٍ على الابتكار والتميز في شتى الميادين، لتغدو المؤسسات التعليمية منارةً حقيقيةً تصنع التنمية المستدامة وترتقي بمقدرات الوطن نحو أفقٍ رحبٍ من النهضة والتقدم المستمر لأبنائها جميعًا.
تواجه المنظومة التعليمية الأزهرية قصورًا ملحوظًا في تأهيل المتعلم لمرحلةٍ مِفْصَليّـةٍ يتحدد على إثرها مصيره الأكاديميّ والمهنيّ؛ ومن ثم بادرت المؤسسة التعليمية نحو تبني نظام البكالوريا المماثل للتعليم العام المصري؛ بهدف تجهيز الطالب للمرحلة الدراسية التالية، وصولًا إلى سوق العمل المتغير الذي يطلب كفاياتٍ متقدمةً تتضمن مهاراتٍ ووجدانياتٍ تمكن الفرد من مواصلة اكتساب متطلبات القرن الحادي والعشرين بصورةٍ وظيفيةٍ تضمن بناء جيلٍ قادرٍ على الإبداع والتميز في شتى المجالات العلمية والعملية دون مشقةٍ تذكر.
عندما لا يراعي النظام التعليمي الحالي ظروف المتعلم أثناء اكتسابه لخبرات التعلم، ويركز على حصد أعلى الدرجات التي يصنف الطلاب من خلالها، ولا يفتح مجالًا لفرص حقيقية تقدم للمتعلم من أن يحاول الكرة ويظهر ما لديه من قدرات؛ فإن نظام البكالوريا المطبق في بداية العام الحالي في التعليم الأزهري يعد بديلًا يفتح مسارات التمكين، ويراعي الظروف الطارئة، ويوفر مقومات الطمأنينة، فيخلصنا من التنافسية التي تضير بالمتعلم وأسرته على حد سواء، لضمان مستقبل واعد للمتعلمين جميعًا.
تتطلب خطوة الالتحاق بالجامعة تجنب وجود ضغطٍ في إكساب أبنائنا الطلاب الخبرات التعليمية المستهدفة في عامٍ دراسيٍّ واحدٍ؛ لذا يستلزم الأمر التَّمهُلَ في تمكين المتعلم من مزيدٍ من الخبرات لفترةٍ قد تمتد لعامين كما هو متضمنٌ في نظام البكالوريا الذي سيطبق في التعليم الأزهري وكالمتبع في التعليم العام المصري؛ ومن ثم يصبح الطالب مؤهلًا للمرحلة التالية في ضوء ما yيمتلكه من خبراتٍ نوعيةٍ للمجال الذي تم اختياره طواعيةً بعد المرور بمرحلة التأسيس أو المرحلة التمهيدية.
تأتي فرصة تمكن المتعلم من اكتساب خبرات تعليمية وفق فلسفة الإتقان، وفي ضوء قدراته الخاصة، وفي ظل ماهية الفروق الفردية، لتجعل التمسك بنظام البكالوريا المطبق حديثًا في التعليم الأزهري غايةً في الأهمية بهدف تحسين مخرجات التعليم، وهذا ما يطمح إليه الجميع، ويأمل أن يتحقق على أرض الواقع التعليمي لضمان مستقبل واعد لأجيال الغد، دون عناء أو تقصير في أداء الواجبات المنوطة بالمؤسسات التعليمية العريقة نحو أبنائها الدارسين في شتى المعاهد والجامعات المصرية.
يسعى نظام البكالوريا المطبق حديثًا في المعاهد الأزهرية إلى غرس منظومةٍ واضحةٍ من القيم والأخلاق الحميدة عبر دراسة المواد العربية والشرعية بتمامها دون نقصانٍ؛ وهو ما ينعكس بشكلٍ مباشرٍ على تشكيل الشخصيّة الأزهرية وبناء الإنسان القادر على المساهمة الفاعلة في نهضة الوطن ورفعة مقدراته، لتكون المسيرة التعليمية منطلقًا أصيلًا لإعداد أجيالٍ واعيةٍ تحمل أمانة العلم بحرصٍ بالغٍ ووعيٍ عميقٍ يسهم في دفع عجلة التقدم والبناء نحو مستقبلٍ مشرقٍ ومستدامٍ لأبناء الوطن جميعًا.
يعتمد نظام البكالوريا المصري فتح المسار أمام اختيار التخصص في التعليم الأزهري والعام في ظلِّ محكِّ التأسيس بالمرحلة التمهيدية؛ فما أصعبَ الاختيارَ المحدودَ، وما أجملَ تعدديّةَ الاختيار التي تقوم على إدراكٍ حقيقيٍّ لقدرات الطلاب وميولهم العلمية وشغفهم نحو دراسة مجالٍ بعينه، وما أفضلَ مشاركةَ الأسرة والمؤسسة هذا الاختيار بمزيدٍ من الرويّة وبعيدًا عن فلسفة سرعة اتخاذ القرار المبنيّ على معلوماتٍ وبياناتٍ غير مكتملةٍ، لضمان مستقبلٍ واعدٍ لأبنائنا الدارسين في شتى المعاهد والجامعات المصرية العريقة.










