لم يعد العالم يخاف من الحروب وحدها بل من اللحظة التي يصبح فيها الحوار عاجزا عن إيقافها فالحرب مهما بلغت قسوتها تبدأ في لحظة وتنتهي في لحظة لكن غياب الدبلوماسية لا يملك موعدا واضحا للنهاية. قد يبدأ بصمت بين العواصم ثم يتحول إلى قطيعة ثم إلى تهديد ثم يجد العالم نفسه أمام واقع جديد لم يكن أحد يريد الوصول إليه.
وهنا تحديدا تكمن الخطورة حين تتراجع الدبلوماسية لا يظل المكان شاغرا. هناك دائمًا من يتقدم لملء الفراغ لكن المشكلة أن البديل عن الحوار غالبا لا يكون حوارا آخر وإنما القوة، أو المصالح، أو الفوضى.. العالم اليوم يقف أمام مشهد شديد التعقيد. أزمات تتداخل وحروب تفتح أبوابا لأزمات أخرى واقتصادات تدفع ثمن التوتر وأسواق ترتبك مع كل تصعيد وشعوب تدفع الفاتورة بينما يجلس أصحاب القرار بعيدًا عن خطوط النار وفي وسط كل ذلك تتراجع المساحة التي كان يمكن أن تتحرك فيها الدبلوماسية لم تعد طاولة المفاوضات دائما هي البداية بل أصبحت في أحيان كثيرة تأتي بعد أن تكون الطائرات قد تحركت والصواريخ قد انطلقت، والعقوبات قد فُرضت، والتهديدات قد تجاوزت حدود التصريحات.. وهنا يصبح السؤال: لماذا ننتظر حتى تصل الأزمة إلى حافة الانفجار ثم نتذكر أهمية الحوار؟
الدبلوماسية ليست ضعفا كما يحاول البعض تصويرها وليست تنازلا مجانيا عن الحقوق والمصالح. الدبلوماسية هي فن إدارة الخلاف قبل أن يتحول إلى خسارة للجميع الدولة القوية ليست فقط التي تملك السلاح وإنما التي تعرف متى تستخدم قوتها ومتى تتوقف ومتى تترك للسياسة فرصة لتقول كلمتها فالقوة تستطيع أن تفرض واقعا لكنها لا تستطيع دائما أن تقنع الآخرين بقبوله قد تنجح الضربة العسكرية في تغيير معادلة على الأرض لكنها لا تستطيع وحدها أن تبني بيتا هُدم أو تعيد طفلا إلى مدرسته أو تمحو ذاكرة الخوف من قلب إنسان عاش الحرب ولهذا فإن كل حرب تترك وراءها سؤالا سياسيا لا يستطيع السلاح الإجابة عنه: ماذا بعد؟ وهذه هي اللحظة التي تظهر فيها قيمة الدبلوماسية الحقيقية السلام لا يصنعه المنتصرون وحدهم وإنما تصنعه القدرة على الوصول إلى صيغة يستطيع فيها الجميع أن يعيشوا دون العودة إلى نقطة الصفر لكن المشكلة أن العالم أصبح أكثر انقساما، وأقل ثقة، وأكثر استعدادا لتفسير كل خطوة باعتبارها تهديدا ومع كل أزمة جديدة تتسع الفجوة بين لغة المصالح ولغة المبادئ ويصبح من الصعب إقناع الأطراف بأن التنازل عن جزء من الموقف لا يعني بالضرورة خسارة المعركة كلها وهنا تظهر أخطر نتائج غياب الدبلوماسية: أن يتحول الخلاف إلى مسألة كرامة والكرامة إلى عناد، والعناد إلى تصعيد، ثم يصبح التراجع أصعب من البداية وفي هذه اللحظة لا يعود أحد يسأل: كيف نوقف الأزمة؟ بل يبدأ الجميع في السؤال: كيف نخرج منها دون أن يبدو أننا خسرنا؟وهذا هو الفخ الذي وقعت فيه أزمات كثيرة عبر التاريخ الأشد خطورة أن الفراغ الدبلوماسي لا تملؤه الدول وحدها. هناك جماعات ومصالح وقوى اقتصادية وأمنية وإقليمية لكل منها حساباتها الخاصة. وكلما طال غياب الحل السياسي زادت مساحة اللاعبين الذين يجدون في استمرار الأزمة مصلحة وهكذا تتحول الحرب من حدث استثنائي إلى واقع تتكيف معه الأطراف ويصبح استمرارها أسهل من إنهائها أما المواطن العادي فلا يملك رفاهية الانتظار هو الذي يدفع ثمن ارتفاع الأسعار واضطراب الطاقة، وتراجع فرص العمل، والهجرة، والخوف وفقدان الأمان. هو الذي يرى وطنه يتغير أمام عينيه دون أن يكون له مقعد على طاولة المفاوضات ولهذا فإن الحديث عن الدبلوماسية ليس حديثا عن غرف مغلقة وبدلات رسمية وبيانات مشتركة إنه حديث عن حياة الناس كل يوم تتأخر فيه التسوية السياسية قد يعني منزلا جديدا يهدم أو أسرة جديدة تهجر أو اقتصادًا آخر يتراجع أو جيلا كاملا يكبر وهو لا يعرف معنى الحياة الطبيعية ومن هنا فإن استعادة الدبلوماسية لا تعني أن تتخلى الدول عن مصالحها أو أمنها أو حقوقها وإنما تعني أن تبحث عن أدوات أخرى لحماية تلك المصالح قبل أن يصبح ثمنها أكبر من قدرتها على الاحتمال.
نحن لا نحتاج إلى عالم بلا خلافات فهذا مستحيل نحتاج إلى عالم يعرف كيف يختلف دون أن يتحول الاختلاف إلى حرب نحتاج إلى عواصم تترك نافذة مفتوحة حتى في أشد لحظات التوتر وإلى وسطاء يملكون الشجاعة للذهاب إلى الأماكن التي لا يريد الآخرون الذهاب إليها وإلى قادة يدركون أن التاريخ لا يحاسبهم فقط على المعارك التي خاضوها، وإنما أيضًا على الحروب التي نجحوا في منعها.
ربما لا تحقق الدبلوماسية انتصارا سريعا يصلح للعناوين لكنها تمنح العالم شيئًا أهم: الوقت والوقت في الأزمات قد يكون فرصة لإنقاذ حياة أو منع انهيار.أو فتح باب كان يبدو مغلقا في السياسة ليست كل الأبواب التي تبدو مغلقة مغلقة إلى الأبد.. أحيانا تحتاج فقط إلى شخص يطرقها في اللحظة المناسبة…ولهذا فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس: من يملك القوة الأكبر؟ بل: من يملك الحكمة الكافية حتى لا يحول قوته إلى سبب جديد للحرب؟ حين تتراجع الدبلوماسية،
يملأ الفراغ الأقوى صوتا والأكثر قدرة على الضغط والأكثر استعدادا للمغامرة.. لكن العالم لا يحتاج إلى مزيد من الأصوات المرتفعة.. يحتاج إلى صوت يستطيع أن يقول في اللحظة الصعبة: توقفوا.. ما زال هناك طريق آخر.. فالحروب قد تبدأ بقرار لكنها لا تنتهي بقرار واحد.. أما السلام فقد يبدأ بكلمة…وفي عالم يزداد اضطرابا ربما تكون أعظم قوة نحتاج إليها اليوم ليست قوة إطلاق النار وإنما قوة إيقافه.










