من الخازندار وفرج فودة إلى محاولة اغتيال نجيب محفوظ… هل نحتاج إلى مواجهة الفكر قبل مطاردة التنظيم؟
هناك أخبارٌ تمرُّ في وسائل الإعلام كأنها أرقام عابرة، بينما يمكن أن تكون وراءها أسئلة أكبر بكثير من الرقم نفسه.
ومن بين الأخبار المتداولة أخيرًا حديثٌ عن انشقاق نحو 1500 شخص عن جماعة الإخوان. الرقم، حتى الآن، يحتاج إلى توثيق مستقل ودقيق، لكن حتى لو كان العدد أقل أو أكثر، فإن السؤال الذي يطرحه الانشقاق يظل قائمًا:
ماذا يحدث داخل عقل الإنسان عندما يخرج من جماعة مغلقة كانت تقدم له تفسيرًا واحدًا للدين والحياة والسياسة؟
وهنا أقترح مشروعًا لا يكتفي بملاحقة التنظيم، ولا يكتفي بالحديث عن جرائمه، وإنما يذهب إلى المنطقة التي تبدأ منها الحكاية كلها:
التنوير.
ليس التنوير هنا شعارًا ثقافيًا نعلقه على جدار، وإنما برنامجًا عامًا لتفكيك الأفكار التي تجعل الإنسان قابلًا للتجنيد الفكري، وقابلًا لتقديس الجماعة، وقابلًا لتحويل الاختلاف السياسي إلى معركة دينية، وتحويل المخالف من إنسان له حق الاختلاف إلى عدو يستحق الإقصاء.
ولهذا أقترح:
«التنوير هو الحل»
برنامجًا تلفزيونيًا وفكريًا واسعًا، يقدمه المفكر والقيادي الإخواني السابق ثروت الخرباوي، ويُبث عبر التلفزيون المصري والمنصات الرقمية، ويُعاد إنتاج حلقاته في صورة مقاطع قصيرة ومواد وثائقية وبودكاست ومواد تعليمية.
والاختيار هنا ليس اعتباطيًا.
فالرجل يتحدث من موقع «الشاهد من الداخل»، إذ انضم إلى الجماعة عام 1983 ثم خرج منها عام 2002، ووصف خروجه منها بأنه كان الحدث الأعظم في حياته، كما قال في حوار مع «الأهرام» إن كشف شر الإخوان وزيفهم ليس ترفًا.
وفي تصريحات أخرى، شدد الخرباوي على ضرورة الفصل بين الإسلام والإخوان، معتبرًا أن الجماعة لا ينبغي أن تُقدَّم باعتبارها ممثلة للإسلام.
وهنا بالضبط تكمن قيمة المشروع:
أن نسمع شهادة الخارج من التجربة، ثم نضعها أمام الوثيقة والتاريخ والقانون والعقل.
التحقيق الأول: متى يتحول الدين إلى تنظيم؟
المشكلة ليست في التدين.
وليست في أن يكون الإنسان مسلمًا أو مسيحيًا أو متدينًا أو محافظًا.
المشكلة تبدأ عندما تتحول العقيدة إلى تنظيم مغلق، والتنظيم إلى مرجعية فوق الدولة، والطاعة إلى قيمة مطلقة، والجماعة إلى معيار للحق والباطل.
عندها يصبح السؤال:
هل أنا أطيع لأنني اقتنعت؟
أم أقتنع لأنني مأمور بالطاعة؟
هذه النقطة يجب أن تكون محور أي مشروع تنوير حقيقي.
لأن الإنسان الذي يتعلم التفكير لا يصبح لقمة سهلة في فم التنظيم.
والإنسان الذي يعرف حقه في السؤال لا يتحول بسهولة إلى آلة تنفيذ.
والإنسان الذي يعرف أن المقدس لا يمنح جماعة بشرية عصمة، يستطيع أن يقول:
لا.
التحقيق الثاني: عندما يصبح المختلف هدفًا
التاريخ المصري يقدم لنا ملفات لا يجوز أن تُدفن في الأرشيف.
في 22 مارس 1948 اغتيل القاضي أحمد الخازندار على يد عضوين من جماعة الإخوان، وفق المصادر التاريخية التي تناولت القضية، بعد نظره في قضايا مرتبطة بأعمال عنف اتُّهم فيها أعضاء بالجماعة.
وبعد ذلك بشهور، في ديسمبر 1948، اغتيل رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي داخل وزارة الداخلية على يد أحد المنتمين إلى الجماعة، عقب قرار حل الإخوان.
ثم جاءت قضية محاولة تفجير محكمة الاستئناف، التي ارتبطت بمحاولة إتلاف مستندات تخص التنظيم السري، وفق الروايات التاريخية المنشورة حول القضية.
هذه ليست مجرد حوادث منفصلة ينبغي حفظ تواريخها.
السؤال الأهم:
ما الفكر الذي يجعل قتل القاضي أو رئيس الحكومة أو استهداف مؤسسة قضائية يبدو لبعض الأتباع عملاً مشروعًا؟
هنا يجب أن يبدأ التحقيق الحقيقي.
ليس عند الزناد.
بل عند الفكرة التي سبقت الزناد.
التحقيق الثالث: فرج فودة… حين يصبح القلم أخطر من السلاح
ثم نصل إلى واحد من أكثر الملفات إيلامًا في التاريخ المصري الحديث:
فرج فودة.
في 8 يونيو 1992 اغتيل فودة أمام مكتبه في مدينة نصر على يد عناصر من الجماعة الإسلامية. وكان فودة قد أسس الجمعية المصرية للتنوير، وكتب ضد خلط الدين بالسياسة ودافع عن الدولة المدنية.
لكن المفزع في القضية ليس القتل وحده.
المفزع هو ما كشفت عنه المحاكمة من عقلية منفذ الجريمة.
بحسب ما أوردته المصادر الصحفية عن المحاكمة، سُئل قاتل فودة عن سبب اغتياله، فقال إنه «كافر»، وعندما سُئل عن الكتاب الذي قرأه وعرف منه ذلك، كانت الإجابة أنه لم يقرأ كتب فودة أصلًا، بل كان لا يقرأ ولا يكتب.
وهنا نصل إلى أخطر سؤال في التحقيق كله:
كيف يمكن لإنسان لا يقرأ أن يحكم على إنسان بالموت بسبب كتاب لم يقرأه؟
الإجابة لا تبدأ من المسدس.
الإجابة تبدأ من مصادرة العقل.
حين يتوقف الإنسان عن القراءة، ويصبح شيخ الجماعة أو قائد التنظيم هو الذي يقرأ نيابة عنه، ثم يفكر نيابة عنه، ثم يحدد له من هو المؤمن ومن هو الكافر، نكون قد صنعنا أخطر ما يمكن أن تصنعه الأيديولوجيا:
إنسانًا يملك يقينًا أكبر من معرفته.
التحقيق الرابع: نجيب محفوظ… طعن الثقافة
وفي عام 1994 وصل الاعتداء على الفكر إلى واحد من أكبر رموز الثقافة المصرية:
نجيب محفوظ.
خرج محفوظ من منزله في العجوزة متجهًا إلى ندوته الأسبوعية، فتربص به شابان وطعناه في عنقه في محاولة لاغتياله، وفق الموقع الرسمي لمتحف نجيب محفوظ. وقد نُقل إلى المستشفى وخضع لعملية استمرت ساعات، ثم احتاج إلى نحو شهرين للعلاج، وترك الاعتداء أثرًا دائمًا على قدرته على الكتابة والحركة.
المفارقة المريرة أن الرجل الذي لم يحمل سلاحًا، والذي قضى حياته يكتب الرواية، أصبح هدفًا للعنف بسبب أفكار وكتابات أثارت جدلًا دينيًا، ومنها الجدل حول «أولاد حارتنا». وتحتفظ دار الكتب المصرية بسجل ببليوغرافي واسع للكتابات التي ظهرت عقب محاولة اغتياله.
وهكذا يصبح السؤال أكبر من نجيب محفوظ:
ماذا يحدث لمجتمع يخاف فيه الكاتب من الكتابة، والباحث من السؤال، والمفكر من الاختلاف؟
إنه مجتمع يحتاج إلى التنوير لا باعتباره رفاهية، وإنما باعتباره دفاعًا عن الحياة نفسها.
من جرائم الأشخاص إلى نقد البنية الفكرية
لكن علينا أن نكون دقيق










