لم يكن “سيل العرم” وانهيار سد مأرب مجرد حدثٍ جرافي تاريخي في جنوب الجزيرة العربية، بل كان انكساراً حضارياً شاملاً أعاد توزيع المكون القحطاني واليماني في أرجاء العالم العربي. وحين تشتت العرب الأوائل وطاروا في البلاد «أيدي سبأ»، كانت مصر أحد أهم المحطات التي استوعبت هذه التدفقات النسبية، وإن تباينت زمنية الاستقرار ودواعي النزول.
أولاً: التخوم قبل العمق (النزول الجاهلي الأول)
تجمع المصادر التاريخية والنسابية على أن حركة القبائل الناجمة عن تداعي عمران مأرب لم تفضِ إلى دخول جماعي مباشر داخل الأرض المصرية (كالفسطاط والدلتا والصعيد) لحظة انهدام السد مباشرة.
بل تمثلت المرحلة الأولى في النزول التاريخي على بادية سيناء، وتخوم مصر الشرقية، وبادية الشام. حيث اتخذت القبائل اليمانية القحطانية من الصحراء الشرقية ومشارف بلبيس مناطق ترانزيت جغرافية ونسبية؛ تداخلوا فيها مع أعراب المنطقة وتصاهروا، ممهدين لموجات دخلت عمق الريف والمدن المصرية لاحقاً.
ثانياً: الفتح الإسلامي والاستقرار الخططي والريفي
مع تدفق جيوش الفتح العربي وشواهد الامتداد الإسلامي، انتقلت تلك البطون اليمانية المتمركزة على أطراف مصر إلى العمق؛ فصارت جزءاً من البناء الخطي للفسطاط، ثم امتدت فروعها نحو أقاليم مصر الوسطى والعليا والشرقية.
أبرز تلك القبائل وبطونها وأماكن تمركزها:
قبيلة لخم:
من أكبر القبائل القحطانية التي تحركت شمالاً بعد أحداث مأرب، وورد ذكرها في الأثر النبوي ضمن الشاميات واليمانيات. نزلوا مبكراً بشرق مصر، وكان لهم حضور في الفسطاط والإسكندرية (خطة لخم)، وتوزعت فروعهم كـ بني حدس، وبني جزيلة، وبني عدي، وبني ثعلبة في أرياف بلبيس والشرقية ونواحي الصعيد.
قبائل الأزد وغسان:
وهم أهل التفرق الأكثف بعد السيل (“تفرقوا أيدي سبأ”). اتجهت طليعتهم نحو الشام وسيناء (كالغساسنة)، واستقرت بطون منهم كـ بني خزاعة، وبني بارق، وبني الدوس بالفسطاط (خطة الأزد) والجيزة، وتمتد فروعهم في البحيرة والفيوم وأقاليم الصعيد.
قبيلة الصَّدَف (من كِنْدة/حضرموت):
انتقلت بطونها بعد اضطراب الري القديم جنوباً، وكانت من الركائز التي نزلت مصر وأقامت بها خطة الصدف الشهيرة بالفسطاط، وتفرعت بطونهم كـ بني جماجم، وبني أَبَى، وبني ذهل في القليوبية والشرقية.
قبيلة جذام:
إخوة لخم، والذين مثلوا كتلة استقرار في الشرقية (فاقوس، والصالحية) وبادية سيناء، وامتد وجودهم إلى جهات مختلفة من شمال الدلتا.
ثالثاً: امتداد الجذور في الصعيد وتأصيل الأنساب
لم ينحصر الحضور القحطاني اليماني في مصر السفلى، بل امتدت بطون لخم والأزد والصدف وجذام إلى صحاري ومدن مصر العليا. وهو المبحث الذي أعدتُ تبيانه وتفصيله في كتابي «القبائل العربية في الصعيد»، مستعرضاً كيف امتزجت هذه الأصول اليمانية بالنسيج الصعيدي، محتفظة بخصوصية النَّسَب وعراقة التراث الشفاهي مع الارتباط بالأرض والزراعة وحماية الثغور.
المؤرخون والنسابون الذين وثقوا القصة وهجراتها:
اعتمدت هذه القراءة التاريخية على ما نص عليه أئمة الإخباريين والنسابين الذين تتبعوا خروج سبأ ونزول القبائل اليمانية بمصر وتخومها:
ابن إسحاق (ت 151 هـ) وابن هشام (ت 218 هـ): في «السيرة النبوية»؛ حيث أوردَا قصة “عمرو بن عامر” (مُزيقياء) وتفرق الأزد والقبائل القحطانية بعد رؤية علامات انهدام السد وخروجهم من اليمن.
أبو عمر الكندي (ت 350 هـ): في كتابيه «الولاة» و«القضاة»؛ وهو العمود الفقري لتوثيق الفتح الإسلامي وتوزيع خطط القبائل اليمانية (الأزد، لخم، الصدف) في الفسطاط.
ابن عبد الحكم (ت 257 هـ): في كتاب «فتوح مصر وأخبارها»؛ حيث أشار إلى مشاركة القبائل التي نزلت الشام وسيناء في فتح مصر وتوزيع الديار والخطط عليهم.
ابن حزم الأندلسي (ت 456 هـ): في «جمهرة أنساب العرب»؛ وتتبّع فيه بطون لخم وجذام والأزد والصدف وانتشارها في ديار مصر والشرقية.
أبو العباس القلقشندي (ت 821 هـ): في كتابيه «نهاية الإرب في معرفة أنساب العرب» و«قلائد الجمان في التعريف بقبائل عرب الزمان»؛ وحرّر فيهما أماكن نزول بطون جذام ولخم بشرقية مصر وسيناء.
تقي الدين المقريزي (ت 845 هـ): في «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» (الخطط المقريزية) و«البيان والإعراب عما بأرض مصر من الأعراب»؛ واستعرض بتفصيل دقيق نزول العرب اليمانية واستقرارهم في أقاليم مصر والدلتا والصعيد.
سيد الرشيدي: في كتاب «القبائل العربية في الصعيد»؛ لتتبع الاستقرار الممتد لبطون هذه القبائل اليمانية في مجتمعات مصر الوسطى والعليا.










