تواجه التجارة الإيرانية عبر دبي اضطرابًا متزايدًا بعد إعلان الإمارات تعليق جميع أشكال التجارة والتبادلات التجارية والمعاملات المالية مع إيران، عقب اتهام طهران باستهداف الملاحة في المياه الإماراتية، بالتزامن مع حملة ضغط اقتصادي أمريكية جديدة على إيران؛ وتراجع نشاط مراكب “الداو” الخشبية التي كانت تنقل البضائع بين دبي والموانئ الإيرانية، فيما قال مسؤول في محطة للمراكب إن الرحلات إلى إيران توقفت منذ الأسبوع الماضي؛ وكانت التجارة بين الإمارات وإيران تبلغ نحو 30 مليار دولار سنويًا قبل الحرب، فيما تمثل الإمارات منفذًا رئيسيًا للواردات الإيرانية، خصوصًا عبر ميناء جبل علي؛ وأدت الحرب وإغلاق مضيق هرمز إلى تضرر التجار الإيرانيين في دبي، مع إغلاق عدد من المتاجر وارتفاع أسعار الزعفران الإيراني بأكثر من 20% بسبب صعوبة الشحن.
شريان إيران والنهج الجديد لإنهاء الصراع
كما فرضت السلطات غرامات على عدد كبير من التجار، فيما غادر بعض الإيرانيين الإمارات بعد تراجع أعمالهم؛ وتشير بيانات التجارة والشحن إلى أن بعض التجار الإيرانيين بدأوا تحويل مسارات الإمداد عبر عُمان وتركيا، فيما لجأ آخرون إلى وسائل للتحايل على القيود والعقوبات؛ وقال رجل أعمال إيراني إن تكلفة الشحن ارتفعت، لكنها لا تزال أقل من ذروة الحرب؛ ورغم الضغوط، لم تتوقف جميع الأنشطة التجارية الإيرانية في دبي؛ إذ لا تزال بعض المتاجر تبيع منتجات إيرانية، ويواصل مجلس الأعمال الإيراني نشاطه، كما تستمر الرحلات الجوية بين إيران ودبي؛ كذلك لا تزال فروع “بنك ملي” و”بنك صادرات” الإيرانيين تعمل في الإمارات، رغم خضوعهما للعقوبات الأمريكية؛ وتقول الإمارات إن قرار وقف التجارة مع إيران “سيادي” ويعكس تقييمها للمصلحة الوطنية ومتطلبات الأمن الإقليمي، مؤكدة التزامها بالمعايير المالية الدولية؛ في المقابل، يرى محللون أن العلاقات التجارية والتاريخية العميقة بين دبي وإيران تجعل من الصعب قطع التجارة بالكامل، حتى مع تصاعد الضغوط الأمريكية والإقليمية.
ودعت الإمارات إلى تبني “نهج أكثر واقعية” لإنهاء الحرب مع إيران المستمرة منذ ستة أشهر، وذلك بعد تصديها لهجوم بطائرة مسيّرة إيرانية؛ وكتب أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي الكبير لرئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، على منصة “إكس” الاثنين: “حالة اللا حرب واللا سلم لا يمكن أن تكون حلاً مستداماً، كما أن سياسة استهداف دول الخليج العربية والأردن أثبتت فشلها”؛ وقالت وزارة الدفاع الإماراتية في منشور على “إكس” في وقت مبكر من الاثنين الماضي إن سلاح الجو تصدى لطائرة مسيّرة إيرانية فوق المياه الإقليمية للدولة؛ وفي بيان منفصل، نفت الإمارات تقارير وصفتها بأنها “لا أساس لها” بشأن وقوع هجوم على قاعدة المنهاد الجوية في دبي؛ وتعرضت الإمارات بصورة متكررة لضربات إيرانية منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير من العام الحالي (2026)، ما أدى إلى إلحاق أضرار بالبنية التحتية للطاقة والمطارات؛ ودفعت هذه الهجمات الإمارات إلى تبني موقف أكثر تشدداً تجاه الجمهورية الإسلامية، التي كانت تقليدياً واحدة من أبرز شركائها التجاريين؛ وشمل ذلك قطع جميع العلاقات الاقتصادية رسمياً في منتصف أغسطس، بعد اتهام طهران بإطلاق صواريخ باليستية على أراضيها.
وقال قرقاش: “ما هو مطلوب اليوم حلول سياسية واقعية ومستدامة تعالج الأبعاد السياسية والاقتصادية للأزمة”؛ وأضاف أن هذه الحلول ينبغي أن تشمل “إعادة الملاحة في مضيق هرمز إلى وضعها الطبيعي”، إلى جانب: “نهج أكثر واقعية يتجاوز مذكرة التفاهم التي فشلت في رسم خريطة طريق عملية ومقبولة”؛ وكان قرقاش يشير بذلك إلى اتفاق الهدنة الأولي الذي انتهى في منتصف أغسطس بعد انتهاكات متكررة؛ وجاء اعتراض الإمارات للطائرة المسيّرة بعد أن تبادلت الولايات المتحدة وإيران الضربات للمرة الأولى منذ نحو شهر، في تجدد للأعمال القتالية امتدت تداعياته بالفعل إلى أنحاء المنطقة، مع توجيه إيران عملياتها الانتقامية نحو الإمارات والأردن؛ ويتزامن التصعيد الجديد مع بداية عام دراسي جديد في الإمارات، وهي فترة يعود فيها كثير من المقيمين إلى البلاد بعد قضاء الصيف في الخارج؛ وكانت الولايات المتحدة قد وجهت آخر ضرباتها إلى إيران في أواخر يوليو الماضي، قبل أن يحوّل الرئيس دونالد ترامب تركيزه نحو حملة ضغط اقتصادي تستهدف انتزاع تنازلات من طهران؛ لكن الدول التي تربطها علاقات مع إيران لم تستجب حتى الآن لتهديدات العقوبات الأمريكية.
أول اجتماع بشأن الاتفاقية الدفاعية
اجتمع كبار المسؤولين من تركيا والسعودية وباكستان في إسطنبول أمس الاثنين 31 أغسطس 2026)، لعقد أول اجتماع للجنة بموجب اتفاقية الدفاع المشتركة التي وقّعتها الدول الثلاث هذا الشهر، وفقًا لمصدر في وزارة الخارجية التركية؛ وجمعت “اتفاقية مكة للدفاع المشترك”، التي وُقّعت في 7 أغسطس، حلفاء مسلمين سنّة للولايات المتحدة، تجمعهم مخاوف بشأن الحرب مع إيران والصراع الإقليمي الذي أدى إلى إطلاق إيران صواريخ على دول الخليج العربية المصدّرة للنفط، وعلى المواقع والمرتكزات وكذا القواعد العسكرية في تلك الدول؛ وتهدف الاتفاقية إلى تعزيز الردع الجماعي في مواجهة أي عمل عدواني، وتنص على أن أي هجوم مسلح على أي دولة من الدول الثلاث سيُعد هجومًا عليها جميعًا، على غرار بند الدفاع الجماعي الوارد في المادة الخامسة من حلف شمال الأطلسي، كما قلنا من قبل في مقال سابق؛ وقال مصدر الوزارة إن وزراء الخارجية والدفاع، إلى جانب رؤساء أركان القوات المسلحة في الدول الثلاث، حضروا الاجتماع في إسطنبول؛ وقال المصدر: “ستكون قضايا الأمن الدولي على جدول الأعمال”.
ونشير إلى أن المناقشات كان من المتوقع أن تشمل تعزيز القدرات الدفاعية، وزيادة قابلية التشغيل البيني بين قواتها المسلحة، وتعميق التعاون في الصناعات الدفاعية، بما في ذلك الإنتاج والتطوير المشترك؛إلا اننا لاحظنا عدم صدور أي من ذلك واكتفت وكالة الأناضول للأنباء باذاعة بيان بروتوكولي عن هذا التجمع؛ وإن كانت تلك الدول في مخاوف بشأن المواقف العسكرية لإسرائيل وإيران الشيعية الثورية، في وقت “تكافح” فيه الولايات المتحدة، الحليف القديم، لاحتواء الاضطرابات الإقليمية التي تسببت في أزمة طاقة عالمية، طبقا لما ادعته وكالة “رويترز” البريطانية للأنباء؛ وبعد ستة أشهر من شن الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب على إيران، وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود، فيما كثّفت إدارة الرئيس دونالد ترامب جهودها لمعاقبة إيران ماليًا، في ما وصفته بأنه “يوم إنزال اقتصادي”؛ وقالت تركيا، التي تمتلك ثاني أكبر جيش في حلف شمال الأطلسي، إن الاتفاق مع باكستان المسلحة نوويًا والسعودية، أكبر مصدر للنفط، مفتوح أمام التوسع، مع احتمال انضمام مصر كمرشح، وإنه لا يسعى إلى استبدال التحالفات القائمة، على حد قول الأتراك.
“اتفاقية مكة” وفخ أمريكا وإسرائيل وإيران
لا شك أن ظهور “الرباعية الإقليمية” التي تضم السعودية وتركيا ومصر وباكستان يعكس إدراكًا متزايدًا بأن أمن المنطقة لا يمكن أن يبقى رهينة التنافس بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى؛ واكتسبت المبادرة زخمًا بعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران والهجمات الإيرانية على دول الخليج بما فيها القواعد الأمريكية بتلك الدول وإغلاق مضيق هرمز؛ تشكلت الرباعية تدريجيًا خلال العامين الماضيين عبر تنسيق الدول الأربع بشأن غزة وإيران والدفاع والأزمات الإقليمية، قبل أن تعقد اجتماعات دورية في الرياض وإسلام آباد وأنطاليا والقاهرة؛ وساهمت بالتعاون مع قطر والصين في التوصل إلى وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران، ثم تبنت رسميًا اسم “الرباعية الإقليمية”؛ ولا تقدم المجموعة نفسها كتكتل موجه ضد دولة بعينها، بل كمنتدى للتنسيق وبناء قواعد أمن إقليمي تقوم على احترام السيادة، وحل الدولتين، ووقف دعم الميليشيات، وعدم استخدام القوة لفرض النفوذ.
كما تترك الباب مفتوحًا أمام انضمام دول أخرى، بما فيها إيران وإسرائيل مستقبلًا؛ وترى “مجموعة الأزمات الدولية” (International Crisis Group – ICG) وهي منظمة غير حكومية مستقلة، غير ربحية، تأسست عام 1995 وتتخذ من بروكسل مقراً رئيسياً لها، مع مكاتب إقليمية وميدانية في أكثر من 30 دولة حول العالم؛ أن الحرب الأخيرة أكدت لدول الخليج محدودية الاعتماد على الضمانات الأمنية الخارجية؛ فالولايات المتحدة، رغم أهميتها العسكرية والاستخباراتية، لا تتطابق دائمًا أولوياتها مع مصالح حلفائها الخليجيين، فيما تعتبر إيران دول الخليج أهدافًا محتملة، ولا تأخذ إسرائيل مصالحها الأمنية في الاعتبار بصورة كافية؛ وتسعى “الرباعية” إلى معالجة هذه الفجوة، خصوصًا عبر الحوار مع إيران؛ ويمكنها طرح حوافز اقتصادية ودبلوماسية جماعية، والمساعدة في معالجة مخاوف الخليج المتعلقة بإعادة فتح مضيق هرمز، وبرامج الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، ودعم الجماعات المسلحة والتدخل في الشؤون الداخلية.
لكن نجاح المبادرة يواجه عقبات، أبرزها اختلاف مواقف أعضائها من إيران، وتنافسهم الإقليمي، واعتماد السعودية ودول الخليج بدرجة كبيرة على المظلة الأمنية الأمريكية؛ كما أن توسع المجموعة ليشمل دولًا خليجية أخرى، مثل الإمارات والبحرين، سيكون ضروريًا لتعزيز تمثيلها؛ إن “الرباعية” لا تزال إطارًا تشاوريًا غير رسمي، لكن الحرب الأخيرة دفعت نحو ظهور عناصر لنظام أمني أكثر اعتمادًا على القدرات الإقليمية؛ وإذا نجحت المجموعة في توسيع التنسيق الخليجي والتوصل إلى تفاهمات مع إيران، فقد تتحول تدريجيًا إلى نواة لنظام أمني إقليمي يمنح دول المنطقة دورًا أكبر في تحديد مستقبل أمنها، بدل الاعتماد الحصري على القوى الخارجية، كما دعت جماعة الإخوان المسلمين إلي ذلك.
اتفاقية مكة والإخوان المسلمون
وفي الثامن من أغسطس 2026 المنقضي ثمنت جماعة الإخوان المسلمين الإعلان عن “اتفاقية مكة للدفاع المشترك” بين السعودية والجمهورية التركية وجمهورية باكستان الإسلامية، آملين أن تمثل بداية لخطوات جادة نحو التنسيق المشترك بين دول العالم الإسلامي يحقق الأمن والسلم الداخلي، بعيدا عن النفوذ الأجنبي الدخيل؛ ودعوت جماعة الإخوان المسلمين صناع القرار وقادة دول المنطقة إلى توسيع التحالفات الإقليمية لتشمل دول العالم الإسلامي ومراكزه الحضارية، وفي مقدمتها مصر، بغية مواجهة التحديات الإقليمية والدولية، وهذا لن يتحقق إلا بنهاية الرهان على الحماية الأجنبية، من وجهة نظر الجماعة، وتحقيق استقلال المنظومات الدفاعية والأمنية كخطوة أولى في هذا المسار؛ وأضاف بيان الجماعة أنذاك، “أن جذور التوتر في منطقتنا، تعود في أصلها إلى الاحتلال الإسرائيلي الذي يحتل أراضينا العربية في فلسطين وسوريا ولبنان، ويجاهر بأجندته التوسعية في المنطقة؛ ويدرك من يمعن النظر في حال أمتنا”.
إن الأمن “المستورد”، من وجهة نظر الجماعة، لم يحقق للأمة شيئا مذكورا، وفرْض تحالفات عسكرية بوصاية أمريكية تستند إلى “الاتفاقيات الإبراهيمية”، لا تفيد إلا المحتل، في حين تفرِّق الأمة وكلمتها، وتفرض عليها حروبا داخلية تمزق جسدها، وتهدر ثرواتها، وتورثها العداوات الباقية؛ طبقا لبيان الإخوان؛إن العالم الإسلامي يزخر بالكفاءات والخبرات والإمكانات اللازمة لتحقيق التكامل الدفاعي والاقتصادي، متى ما توفرت الرؤية الصائبة والإرادة الراسخة، يتبعها الحوار الصريح؛ واختتم بيان الإخوان المسلمين مشيرا لذلك من أن الشعوب العربية والإسلامية تتطلع إلى مزيد من التكامل والتعاون بينها، دون ضرر بشعوب تشارِكنا الجغرافيا وتقاسمنا العيش المشترك، فضلا عن وشائج الدين وروابط الأخوة الإسلامية.
الكاتب الصحفي والباحث في العلاقات السياسية الدولية










