١- سؤالٌ خرج من كواليس المسرح
أحيانًا لا تكشف الجملة ما أراد قائلها أن يقوله ، بقدر ما تكشف السؤال الذي لم يكن يقصده.
قبل فترة، كان هناك تصريح للدكتور أشرف زكي، نقيب المهن التمثيلية، والعميد الأسبق للمعهد العالي للفنون المسرحية، وأيضا رئيس أكاديمية الفنون السابق، يتحدث فيه عن قيمة الدراسة في المعهد ، وعن الفرص التي يمكن أن تفتحها أمام الطالب منذ سنواته الأولى.
لم يكن حديثه عن قيمة التعليم وحدها، بل جمع بين مسارين واضحين: أن المعهد يعلّم، وأنه في الوقت نفسه «ڤاترينة عرض للمنتجين والمخرجين».
وفي سياق حديثه عن سرعة وصول بعض الطلاب إلى الشاشة، قال عبارات أكثر مباشرة:
«لو انت درست في المعهد مش هتحتاج الـ4 سنين دراسية. هي لا تقاس بالطريقة دي».
وقال أيضا :
«مجرد ما دخلت المعهد.. المكنة طلعت قماش».
وضرب أمثلة بفنانين بدأوا العمل في السينما أو التليفزيون أثناء الدراسة، بل منذ السنة الأولى، فقال :-
«ممكن وانت في سنة أولى في أول شهر تبقى نجم».
والتصريح، كما هو، لا يحتاج إلى أن نضع عليه حكمًا أخلاقيًا أو أن نبحث عن خطأ في منطقه؛ فهو يتحدث عن ميزة يراها في مؤسسة يعرفها من الداخل، ويشير إلى أن المعهد لا يكتفي بتعليم الطالب، وإنما يضعه أيضًا أمام أعين المنتجين والمخرجين.
لكن الجملة، حين نخرج بها قليلًا من سياقها المباشر، تترك وراءها سؤالًا أكبر.
فإذا كان المعهد العالي للفنون المسرحية هو المؤسسة الأكاديمية المتخصصة التي يوجد داخلها قسم لتعليم التمثيل، وإذا كان من مزايا الالتحاق بها أن يجد الطالب طريقه إلى السينما والتليفزيون منذ السنة الأولى، وإذا كانت الڤاترينة نفسها تطل على الشاشة بقدر اكبر مما تطل به على خشبة المسرح،
بصيغة موجزة..
إذا كانت كواليس المسرح تفتح أبوابها دائماً إلى الخارج.. فما الذي يلزم لكي يصبح البقاء فيه غاية قائمة بذاتها؟
لماذا يبدو انتقال الفنان من المسرح إلى الشاشة، في كثير من الأحيان، كأنه صعودٌ في المسار المهني، بينما يُنظر إلى بقائه في المسرح وكأنه بقاءٌ في مرحلة سابقة من هذا المسار؟
هذه ليست مسألة تخص الفنان وحده. إنها، إذا ثبتت ملامحها بالبحث، مسألة تخص الطريقة التي صاغت بها صناعة المسرح المصرية صورتها عن نفسها، وصاغت بها طموحات الأجيال التي تدخل إليها.
فالفتى أو الفتاة اللذان يدخلان المسرح في البداية لا يدخلانه بالضرورة بحثًا عن «المسرح» بوصفه مجالًا نهائيًا. يدخلان بشغف الفن، نعم، لكن هذا الشغف قد يكون محمولًا على حلم آخر أكثر لمعانًا في المخيلة العامة: أن يصبح الإنسان معروفًا، وأن يظهر وجهه على الشاشة، وأن يعرفه الجمهور خارج حدود القاعة المسرحية.
ومن هنا قد يبدأ تحول صغير في معنى المسرح.
يصبح المسرح مكانًا للتكوين، لكن ليس بالضرورة مكانًا للاستقرار.
يصبح مساحة للتجربة، لكن التجربة قد تكون موجهة نحو الخروج منها.
يصبح خشبة يتعلم عليها الفنان كيف يكون جديرًا بأن تراه الكاميرا.
وهنا لا تعود القضية في أن الفنان غادر المسرح، وإنما في أن المسرح نفسه ربما أصبح يُعرّف نجاحه جزئيًا بقدرته على إخراج الفنانين منه.
وهذا يقودنا إلى منطقة أكثر حساسية.
إذا أصبح الوصول إلى الشاشة أحد أهم علامات النجاح التي يمكن للمؤسسة المسرحية أن تقدمها لشبابها، فمن الطبيعي أن يتحول الشاب إلى البحث عن تلك العلامة. وإذا أصبح بعض الاعتراف داخل المجال نفسه مرتبطًا بمن عبر إلى السينما أو التليفزيون، فقد تتشكل دائرة كاملة من التوقعات: يدخل الفنان المسرح، يتعلم فيه، يحصل على الاعتراف، ثم ينتظر لحظة العبور.
ومن يعبر، قد يصبح المسرح جزءًا من سيرته السابقة، يتحدث عنه باعتباره البدايات الجميلة التي خرج منها إلى عالم أوسع.
ومن لا يعبر، قد يبقى فترة أطول في الدائرة نفسها، محاولًا أن يجد داخلها بديلًا عن الحلم الذي لم يتحقق بعد.
وهنا يصبح علينا أن نتوقف.
ليس لأن هذا الوصف حقيقة مكتملة، وإنما لأنه فرضية قابلة للبحث.
فنحن لا نريد أن نضع الفنان في قفص نفسي ونقول له: أنت لا تحب المسرح، وإنما تحب الشهرة.
ولا نريد أن نقول إن المؤسسات المسرحية تتآمر على المسرح لمصلحة الشاشة.
ولا نريد أن نقارن بين قيمة السينما والتليفزيون وقيمة المسرح.
بل نريد أن نعرف شيئًا أكثر عمقًا:
ما الذي يجعل التنوع الفني يبدو في الوعي المهني وكأنه عبور من اسفل لأعلى؟
وما الذي يجعل الفنان يشعر أن انتقاله من الخشبة إلى الشاشة إضافة إلى سيرته، بينما قد لا يشعر بالقدر نفسه أن انتقاله من الشاشة إلى الخشبة إضافة مماثلة؟
قد تكون الإجابة في الاقتصاد. وقد تكون في بنية الاعتراف، أو في صورة النجاح التي تصنعها المؤسسات، أو في الجمهور، أو في التعليم نفسه، أو في طبيعة سوق العمل، أو في شبكة العلاقات التي تمنح بعض الأبواب القدرة على فتح أبواب أخرى.
وربما تكون المسألة أكثر تركيبًا من ذلك كله.
فالمسرح لا يعيش في فراغ. إنه مجال تتقاطع فيه المؤسسة التعليمية، والجهة المنتجة، والفنان، والمؤلف، والمخرج، والمصمم، والناقد، والجمهور، والتمويل، والمهرجان، والإعلام، والتكنولوجيا، والمكان، والمدينة، والوقت، والسمعة، وشبكات العلاقات. وكل دائرة من هذه الدوائر قد تمنح المسرح قدرة، أو تسحب منه قدرة، أو تعيد تعريف معنى النجاح داخله.
ولذلك فإن السؤال ليس فقط: كيف نصنع عرضًا مسرحيًا جيدًا؟
ربما أصبح علينا أن نسأل قبل ذلك:
كيف نصنع البيئة التي تستطيع أن تنتج عرضًا جيدًا مرة، ثم تستطيع أن تنتج غيره، ثم تعيد التجربة في مكان آخر، ومع جيل آخر، دون أن تبدأ كل مرة من الصفر؟
—***—
وهنا تبدأ فكرة هذا البحث.
فنحن لا نريد أن نبحث عن «أفضل عرض»، ولا عن «أفضل مخرج»، ولا عن «أفضل مؤسسة»، ولا حتى عن «أفضل نموذج مسرحي».
نريد أن نبحث في شيء أوسع:
هل يمكن أن تصبح صناعة المسرح نفسها قدرة قابلة للتكوين والتكرار والاستمرار والتطور، وبالتالى؛ قيمة جاذبة للإستثمار ؟
فالفارق كبير بين أن تنجح مجموعة من الأشخاص في صناعة عرض، وبين أن تنجح منظومة ما في صناعة القدرة على صناعة العروض.
الأول قد يكون موهبة
والثاني يحتاج إلى بناء
الأول يمكن أن يحدث مرة.
أما الثاني، فإذا تحقق، فيمكن أن يصبح نموذجًا يتعلم منه الآخرون، ويُعاد إنتاجه في سياقات مختلفة، ويتطور مع تغير الأجيال والأدوات.
وهذا تحديدًا هو ما يجعلنا نتوقف عند «كواليس المسرح».
فالكواليس ليست فقط المكان الذي يقف فيه الممثل قبل أن يدخل الخشبة، وليست الجانب الخفي من العرض.
الكواليس، بالمعنى الذي نريد اختباره هنا، هي كل ما يحدث قبل أن يصل المسرح إلى الجمهور: كيف يتكون الفنان؟ كيف تنتقل الخبرة؟ كيف يولد النص؟ كيف يجد الإنتاج طريقه إلى الوجود؟ كيف يتكون الفريق؟ كيف يُموّل؟ كيف يُقيّم؟ كيف تتشكل السمعة؟ كيف يصل العرض إلى جمهوره؟ وكيف يتعلم الجيل التالي من الجيل الذي سبقه؟
وإذا كانت هذه العمليات لا تنتقل من جيل إلى جيل إلا من خلال أفراد بعينهم، فماذا يحدث عندما يغيب هؤلاء الأفراد؟
وإذا كان كل جيل يعيد اكتشاف أدوات الصناعة من جديد، فهل نحن أمام صناعة فعلًا، أم أمام سلسلة من المبادرات الناجحة التي لم تتحول بعد إلى قدرة مؤسسية قابلة للتكرار؟
ثم تظهر مفارقة أخرى ربما تكون أشد أهمية.
فالجيل الأقدم يمتلك خبرة طويلة في صناعة المسرح، لكنه يجد نفسه أمام أدوات وتقنيات وطرق إنتاج وتواصل وتلقٍ لم تكن موجودة حين تكوّنت خبرته.
والجيل الأحدث يأتي بخبرة أكبر في بعض هذه الأدوات الجديدة، لكنه لا يحمل بالضرورة العمق التاريخي والفني الذي حملته الأجيال السابقة.
للمرة النادرة، ربما لا يقف جيل أمام جيل وهو يقول: «أنا أعرف أكثر منك».
بل قد يقف كل منهما وهو يعرف شيئًا لا يعرفه الآخر.
فكيف يمكن لصناعة المسرح أن تستفيد من هذه الندية بدل أن تتحول إلى صراع على قيادة الدفة؟
وكيف تنتقل الخبرة حين لا يكون اتجاهها من الأكبر إلى الأصغر فقط؟
ربما يكون علينا أن نعيد تعريف «نقل الخبرة» نفسه.
وربما يكون علينا أن نعيد تعريف المؤسسة المسرحية، لا بوصفها مكانًا لإنتاج عرض، وإنما بوصفها مكانًا لإنتاج قدرة.
ومن هنا لا يكون السؤال عن المسرح المصري: «هل هو بخير؟»
تلك الجملة التي قالها الفنان خالد جلال في ختام الدورة التاسعة عشرة للمهرجان القومي للمسرح المصري، يمكن أن نتركها كما هي، من دون أن نحمّلها أكثر مما تحتمل.
«المسرح المصري بخير»
جملة تطمئن، وربما كان هذا هو مقصدها في لحظة احتفالية. لكنها، إذا دخلت إلى البحث من باب آخر، تتيح لنا أن نسأل:-
ما معيار أن يكون المسرح بخير؟
هل يكفي أن تكون هناك عروض؟ هل يكفي أن تكون هناك مهرجانات؟ هل يكفي أن يظل هناك فنانون يعملون؟ هل يكفي أن تخرج أسماء جديدة إلى الشاشة؟
أم أن سلامة المسرح تُقاس بقدرته على أن يُنشئ أجيالًا جديدة، ويستبقي جزءًا من موهبته داخله، وينقل خبرته، ويجدد أدواته، ويخلق نماذج إنتاج قابلة للاستمرار، ويجد تمويلًا لا يهدم استقلاله، ويصنع جمهورًا جديدًا، ويظل قادرًا على إعادة اختراع نفسه كلما تغير العالم من حوله؟
هنا يصبح «المسرح بخير» نتيجة تحتاج إلى معيار، لا مجرد حالة تحتاج إلى طمأنينة.
وهذا هو الموضع الذي يبدأ منه المشروع البحثى فى «صناعة المسرح».
ليس بحثًا عن إجابة جاهزة، ولا محاولة لصياغة وصفة جديدة للمسرح المصري، وإنما محاولة لرصد المجال كما هو، ثم تشخيص الاختناقات التي تمنع قدراته من التحول إلى بناءات قابلة للتكرار، ثم اختبار إمكان تصميم نماذج مختلفة.
سنبدأ من الفنان، لكننا لن نتوقف عنده.
سنمر بالنص والمؤلف، وبالتكوين والتعليم، وبالخبرة وانتقالها، وبالمؤسسة، وبالتمويل، وبالنقد، وبالجمهور، وبالتكنولوجيا، وباقتصاد العرض، وبمسرح الطفل، وبالمساحات المستقلة والجامعية والمدرسية، وبنماذج مثل عروض الكوميديا الفردية، وبالتجارب التي يمكن أن تكشف لنا أين تتولد القدرة وأين تضيع.
وسنحاول، قبل أن نقول ماذا ينبغي أن نفعل، أن نعرف ماذا يحدث بالفعل.
لأن صناعة المسرح لا تُبنى من الأمنيات، ولا تبدأ من الحل. تبدأ من القدرة على رؤية ما يحدث فعلًا، حتى لو قادنا الرصد إلى نتيجة لم نكن نتوقعها.
وهذا المقال ليس خاتمة موقف، بل بداية سؤال.
السؤال الأول الذي بدأنا به، ويستحق أن نحمله معنا إلى المقالات القادمة هو:
- إذا كان المسرح هو المكان الذي يتعلم فيه الفنان كيف يقف أمام الجمهور، فلماذا أصبحت أهم علامات النجاح التي نحتفي بها؛ هي تلك التي تقول، إنه استطاع أن يغادر الخشبة إلى الشاشة؟
ومن هذا السؤال، سنبدأ البحث في صناعة المسرح.










