ما رأيتُ بلاءً يُفسدُ القلوبَ مثل إفسادَ المناصبِ، ولا داءً يصرفُ الوجوهَ مثل صرفَ الكراسى، فالمنصبُ نارٌ تُضيءُ لصاحبِها الطريقَ إن اتقى، وتُحرقُه إن طغى، وهو زجاج يكشفُ لا يستر، ويظهرُ لا يخفي، فمن كانَ في نفسِهِ كبيراً تواضعَ إذا كَبُرَ، ومن كانَ في نفسِهِ صغيراً تكبَّرَ إذا كَبُرَ.
فقد رأيتُ الناسَ على مراتبَ ثلاثٍ في الاستعلاءِ، وكلُّها من طينةِ الوهمِ واحدةٍ.
أما الأولُ: فمستعلٍ بمنصبِهِ الوظيفي.
تراهُ بالأمسِ زميلاً، يُلقي السلامَ ويُجيبُ السلامَ، ويشربُ الشايَ مع الجميعِ، فإذا جلسَ على كرسيِّ الإدارةِ، نسيَ الزمالةَ وتناسى الجماعةَ، فصارَ البابُ موصداً، والحاجبُ معقودا، والكلمةُ مردودةً، والصوتُ مهدوداً. يتكلمُ من طرفِ أنفِهِ، ويُشيرُ من طرفِ كفِّهِ، ويظنُّ أنَّ الكرسيَّ دامَ لمن قبلَه حتى يدومَ له، وما علمَ أنَّ الكرسيَّ دولابٌ، يدورُ ويميلُ، ويُعزُّ ويُذلُّ، وما هو إلا مُعارٌ ومُستردٌّ، ومُؤقتٌ ومُستعارٌ، فما أقبحَ أن يكونَ المنصبُ تكبُّراً لا تكليفاً، ومغنماً لا مغرماً، وتسلُّطاً لا إصلاحاً.
رأيتُه يمرُّ بين الموظفينَ فلا يبتسمُ، ويُنادَى فلا يلتفتُ، ويُطلبُ التوقيعُ فكأنما يُطلبُ الروحُ، ينسى أنَّ هذا الموظفَ الذي يحتقرُه اليومَ، قد يكونُ غداً شفيعَه، وأنَّ هذه الكلمةَ التي يبخلُ بها، قد تكونُ غداً حاجتَه.
وأما الثاني: فمستعلٍ بمنصبِهِ الدينيِّ.
وهذا أشدُّهم بلاءً وأعظمُهم خطراً، تراهُ لبسَ ثوبَ الدينِ ليُعظَّمَ لا ليَعظُمَ، وحفظَ نصاً ليُجادلَ لا ليَعملَ، فصارَ يُفتي ليُرهبَ، ويخطبُ ليُعجبَ، ويعظُ ليُهيمنَ، لا ليَهدي.
إذا دخلَ مجلساً تصدَّرَ، وإذا تكلَّمَ أحدٌ غيرُه تذمَّرَ، يرى الناسَ مذنبينَ وهو الطاهرُ، ويراهم جاهلينَ وهو العالمُ، ويراهم في النارِ وهو في الجنةِ، قد جعلَ من الدينِ سوطاً لا رحمةً، ومن المنبرِ عرشاً لا خدمةً، ومن الفتوى سيفاً لا نوراً. وما الدينُ هكذا، فالدينُ خفضُ جناحٍ، ولينُ جانبٍ، ودمعُ خشيةٍ، لا نفخُ صدرٍ، وغلظةُ قولٍ، وازدراءُ خلقٍ. إنَّ من تزيَّا بالدينِ تكبُّراً، فالدينُ منهُ براءٌ، ومن تواضعَ للهِ بالدينِ رفعَه.
رأيتُه يُعاتبُ المُصليَ على تأخرِه ولا يُعاتبُ نفسَه على غفلتِه، ويُشهرُ بالناسِ ذنوبَهم وينسى ذنبَه، فصارَ الناسُ يفرُّونَ من الدينِ بسببِه، ويكرهونَ المسجدَ لغلظتِه.
وأما الثالث: فمستعلٍ بخبرتِه ومكانتِهِ الاجتماعيةِ.
هو الطبيبُ الذي ظنَّ أنَّ الطبَّ جعلَه فوقَ البشرِ، فلا يُجيبُ سائلاً إلا بتأففٍ، ولا ينظرُ لمريضٍ إلا بتعالٍ، قد نسيَ أنَّه كانَ طالباً يتعلمُ، وأنَّ العلمَ رزقُ اللهِ لا حولُه.
وهو المهندسُ الذي بنى بيتاً فظنَّ أنه بنى الدنيا، وهو كبيرُ العائلةِ الذي يظنُّ أنَّ السنَّ يُبيحُ له كسرَ القلوبِ، فيأمرُ ولا يُشاورُ، وينهى ولا يُحاورُ، ويُقطِّعُ الأرحامَ باسمِ الهيبةِ، ويُهينُ الصغيرَ باسمِ الوقارِ.
وهو صاحبُ المالِ والجاهِ، يمشي فتتباعدُ له الصفوفُ، ويُفسحُ له في المجالسِ، فيظنُّ أنَّ المالَ كرامةٌ، وما علمَ أنَّ المالَ ظلٌّ زائلٌ، وأنَّ الكرامةَ كرامةُ الروحِ لا الجيبِ.
وهناك من يستعلى بالنسب، يظن أن أسم عائلته صك غفران وجواز مرور فوق رقاب الخلق. تراه يمشى فى الأرض مرحا، وكأن العائلات خلقت طبقات.نسى المسكين أن النسب الرفيع لا يرفع الوضيع، وأن أبا لهب كان من أشراف قريش وهلك، وبلالآ كان عبدا حبشيا وارتفع فى الجنة، أن الشجرة المثمرة لا تتباهى بجذورها، بل بما تجود به من ثمر.
أما مستعلى الشهرة، كذاك الذى نفخته الأضواء، فتراه اليوم فنانا يتوارى عن الناس خلف نظارة سوداء وحراس، لا يرد سلاما ولا يلين كلاما، ظنا منه أن نجوميته ترفعه عن البشر. نسى أن هذه الشهرة عارية مستعارة، يمنحها الجمهور اليوم ويسحبها غدا، وأن الكاميرا التى ترفعه قد تفضحه. إن الفنان الحق هو الذى كلما ارتفع نجمه، انحنى تواضعا لمن صنع نجوميته.
يا صاحبَ المنصبِ، مهما علا منصبُكَ، فإنك من ترابٍ وإلى ترابٍ، فعلامَ الكِبرُ؟ وعلامَ التيهُ؟
اعلمْ أنَّ المنصبَ لا يُعلي الوضيعَ، وإنما يُظهرُه، ولا يُدني الرفيعَ، وإنما يُزينُه، فكنْ بالمنصبِ خادماً لا سيداً، ورحيماً لا جباراً، وقريباً لا بعيداً، فإنَّ القلوبَ لا تحفظُ أسماءَ المديرين، ولكنها تحفظُ من جبرَها، ولا تذكرُ ألقابَ الشيوخِ، ولكنها تذكرُ من رحمَها، ولا تذكرُ ثراءَ الأغنياءِ، ولكنها تذكرُ من تواضعَ لها.
فما طارَ طيرٌ وارتفعَ إلا كما طارَ وقعَ، وما تكبَّرَ متكبِّرٌ إلا وذلَّ، وما تواضعَ متواضعٌ إلا وجَلَّ، فاخترْ لنفسِكَ أيَّ المصيرينِ، فالمناصبُ تمضي، والكراسيُّ تُطوى، ولا يبقى إلا الأثرُ: إما دعوةٌ لكَ في ظهرِ الغيبِ، وإما دعوةٌ عليكَ في جوفِ الليلِ.
وليس أدل على خطورة هذا الداء من تنبيه القيادة له، حين أكد الرئيس عبد الفتاح السيسى فى أحد خطاباته قائلا”إياكم والاستعلاء”، كلمة قصيرة لكنها دستور عمل. فحين تتواضع القمة، يجب أن يتواضع الجميع، لأن المنصب فى النهاية خدمة للناس لا استعلاء عليهم، والكرسى لو دام لغيرك ما وصل إليك.
#كرسى_من_وهم
#الاستعلاء_بالمناصب
#التواضع_رفعة
#عزة_النفس
#مقالات_د_جيهان_رفاعى. #الرئيس_السيسى
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
