الزجاجةُ التي أرسلها ذاك الهائمُ في البحر
لم تصلني.
ظلّت هناك،
بين موجةٍ تفتح ذراعيها للغرق،
وموجةٍ أخرى
تخفي في جوفها
قلبًا لا يعرف إلى أيّ شاطئٍ ينتمي.
كان قد كتب اسمي
بيدٍ أكل الملحُ أطرافها،
وطوى الرسالة
كما تُطوى آخرُ رحلة شوق…
و أنا،
منذ أن ابتلع البحرُ خطاه،
أفتّش في زرقة الماء
عن شيءٍ صغير
يشبه عودته.
أقول ، لعلّ الزجاجةَ تعثّرت
بجسد سمكة،
لعلّها نامت في قاعٍ بعيد،
لعلّ الموجةَ حملتها
لأمًّا أخرى…
أيها البحر،
أنا أمّ.
ولا شيء في العالم
أقسى من أمّ
تصلها الأخبار متأخرة،
إلا أمّ
لا تصلها الأخبار أبدًا.
هاتِ رسائلي.
لا أريد البحرَ كلّه،
ولا أريد أن أعرف
إلى أيّ الجهات مضى.
يكفيني
أن تعيد إليّ
صوته في ورقة،
رائحة يديه في سطر،
ذلك الخطّ المرتجف
الذي كان يكتب به اسمي
كلما همّ بالعودة ….
هاتِ الزجاجة،
ولو فارغة.
هاتِ الورقة،
ولو مبتلّة.
هاتِ حتى الصمت
الذي تركه وراءه.
فالأمّ
لا تطلب من البحر
معجزةً كاملة ،
يكفيها أن يترك على الرمل
أثرَ قدمٍ واحدة
لتبني منها
وطنًا كاملًا للانتظار.
هاتِ رسائلي…
فقد طال الغياب،
وصار قلبي
شاطئًا لا ينام،
كلما جاءت موجة
نهض إليها،
ثم عاد خائبًا
إلى مقعده الأول.
والزجاجةُ…
ما زالت في مكانٍ ما،
تشقّ عتمة الماء
نحو يدي.
أو لعلّها
تشقّ الماء
نحوى غيري …
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
