السبت , 24 أكتوبر 2026

مدبولي عتمان ‏يكتب.. الحاضر واللي فات واللي آت

‏

اعتاد صديقي الذي يشغل وظيفة مرموق أن يوجه الدعوة لأصدقائه ‏وتلامذته للقاء به في مكتبه كل فترة زمنية ، وجميعهم يعلم أنه ‏يستقبلهم بعد إنتهاء فترة عمله . وفي الموعد المعتاد انتظر الصديق ‏ضيوفه بلهفة ، ولم يأت أحد . انتظر طوال فترة اللقاء المعتادة والتي ‏تبلغ حوالي 3 ساعات ولكن لم يحضر أحد.‏

‏ شعر الصديق بالضيق ، واستعاد ذاكرة الزمن “اللي فات” حيث كان ‏الكبار والصغار يتسابقون لحضور لقاءاته حتى أن بعضهم كان يأتي ‏قبل الموعد المحدد للاستفاد من علمه وخبراته التي كان لا يبخل بها ‏على أحد ، لأنه كان يؤمن بأهمية توريث الأفكارخاصة للشباب كي ‏يحصنهم ضد غوايات الشيطان وأعوانه من البشر . ويحرص بعضهم ‏‏ وخاصة الشباب على اختلاس دقائق معه على انفراد بعد اللقاء العام ‏، كي تباهى أمام الأخرين بانه تربطه علاقة خاصة مع الأستاذ. ‏والحق يقال فصديقي يتمتع بصفات نادرة في زماننا وفي مقدمتها ‏التواضع رغم علو مكانته الوظيفية والفكرية ، ويتمتع بنظافة اليد ‏واستقامة الفكر ، ويرفض التزلف والنفاق، مما جعله موضع احترام ‏وتقدير جميع من حوله حتى مخالفيه في الرأي. والكثير من معارفه ‏يتعمد ذكر اسمه عندما يتواجد في أي مكان كي يحظى باحترام ‏المتواجدين فيه .‏
‏ ‏
يروى صديقي انه بعد دقائق من تذكر الماضي ( اللي فات ) عاد ‏ليعيش الزمن الحاضر . وانطلاقا من طبيعته المتسامحة التمس العذر ‏للشباب ، فمشاغل الحياة وصعوباتها تشغل كل أوقاتهم ، خاصة من ‏يريد منهم الزواج وتكوين أسرة، لأن العادات المستحدثة ( المبتدعة) ‏في المجتمع ومقدمتها البحث عن المظهر وتجاهل الجوهر ، التشبث ‏بتقليد الأخرين جعلت الزواج مكلفا جدا. وتتوزع تكاليف الزواج ‏المرتفع بين المبالغة في الجهاز ، وجميعنا يسمع ويرى بدعة ” زفة ‏العفش ” بعشرات العربات ليستعرض أهل العروسة جهاز ابنتهم الذي ‏لا يقل عن جهاز “بنات الأكابر” . وبينها الاصرار على الزفاف في ‏قاعة ، وللأسف انتقلت تلك العدوى من المدن إلى القرى ، ولا بد أن ‏تكون قاعة فخمة ( تليق بالمقام ) زي أبناء الجيران أو أبناء الأقارب ‏، وان تكون مجهز بآلة الضجيج العالي ( الدي جي ) . ويسبق دخول ‏قاعة الزفاف زيارة الكوافير ، ويتم حجزها مسبقا، وتقضي فيها ‏العروس حوالي 6 ساعات على الأقل من أجل الزينة التي تتكلف ‏بضع الاف وتستمر فقط بضع ساعات ، وأيضا جلسة التصوير ‏بالصوت والصورة والتي اصبح لها حدائق خاص تسمى ( سيشن ). ‏

والصعوبات أكثر لمن تزوج ويعول أبناء ، فنظرا لتكاليف المعيشة ‏الباهظة بسبب الأزمة الاقتصادية، وضعف الرواتب يضطر عائل ‏الأسرة للعمل ليلا ونهارا كي يوفر فقط الضروريات لأسرته ، ثم ‏يرجع مرهقا يبحث عن السرير كي يرتاح عدة ساعات ليبدأ رحلة ‏الشقاء اليومي من جديد، وليس لديه دقائق قليل يقضيها مع زوجته ‏وأولاده. وتضطره ظروف المعيشة لعدم الجلوس مع زوجته واولاده ‏للاستماع اليهم وتوجيههم. ويغفل الغالبية عن تخصيص وقت لاسرته ‏رغم أهميته لان التربية الصحيحة ليست توفير الملبس والمأكل ‏مصاريف المدارس فقط ، فالجوانب المعنوية لا تقل أهمية. ‏

والتمس الصديق أيضا العذر للكبار ، فنظرا لتجاو أعمارهم سن ‏الستين فهم معرضون للإصابة بوعكة صحية في أي وقت، كما ‏يحدث له أحيانا بعض الوعكات . والبعض منهم يضطر للعمل حتى ‏بعد سن المعاش كي يوفر العلاج لنفسه والغذاء والكساء لمن يعولهم. ‏فمصر الدولة الوحيد في العالم التي يخسر فيها المواطن حوالي 70 ‏‏% من دخله عند تقاعده . رغم أن تكاليف الحياة تزيد بعد تقاعده في ‏مقدمتها العلاج الشهري الذي يلتهم حوالي ثلث معاشه القليل ، ويكون ‏الابناء والبنات في سن الزواج ، والكل يعلم تكاليف الزواج . ويزيد ‏الطين بلة أبنائه الذين تخرجوا من الجامعات ولا يجدون عملا أي ‏عمل . ‏

وبعد فترة من التفكير الهادئ قرر أن يتصل بصديقين يعلم مدى ‏حرصهما على لقائه كي يطمئن عليهما . فتحدث مع الأول واعتذر ‏بأن زوجته مريضة وانه أصبح الممرض الوحيد لها بسبب انشغال ‏الأبناء خارج المنزل ، ووعد بحضور اللقاء القادم مهما كانت ‏الظروف . وعندما حان موعد اللقاء لم يحضر ، ولم يفكر الصديق ‏الاتصال به فهو يعرف مقدما سبب عدم حضوره وهو مرض زوجته ‏المزمن لانها مريضة قلب.‏

واتصل صديقي بصديقه الثاني وهو يحمل له مودة خاص لأنه تعرف ‏عليه في فترة عملهما بالسعودية ( حيث دخل العمل الواحد يكفي ‏لمعيشة اسرية جيد ) ،وكان يوجد وقت معقول بعد انتهاء العمل ‏لحضور الندوات والمحاضرات والدورس وأداء معظم اوقات الصلاة ‏بالمساجد. والتنزه أسريا في الحدائق الكبيرة التي تنتشر بالسعودية ‏رغم أنها بلد صحراوية . وتوثقت روابطهما القلبية ، ووثقها اكثر ‏تقاربها في الفكر والفهم . ‏

فاعتذر الصديق الثاني بالوعكة الصحية ، وتحادثا معا عن تعرضهما ‏لوعكات صحية متكررة لأرتباطها بالتقدم في السن . وكان من ‏الطبيعي ان يتطرق حديثهما عن قرب الرحيل من هذه الدنيا ، وأخذ ‏كل منهما يوصى الأخر باكيا بالاستعداد لما بعد الرحيل ليوم الحساب ‏‏( الزمن اللي آت ) حيث يقول الله سبحانه ( يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى ‏مِنْكُمْ خَافِيَةٌ ) سورة الحاقة. ووسط الدموع الساخنة تعاهدا على أن من ‏يكرمه الله ويدخله الجنة أن يشفع لصديقه عند الله كي يزحزحه من ‏النار ويلتقي مع صديقه في الجنة . فالصديق يشفع لصديقة يوم ‏القيامة كما فسر المفسرون قول الله تعالي ( فَمَا لَنَا مِن شَـٰفِعِین * وَلَا ‏صَدِیقٍ حَمِیمࣲ ) سورة الشعراء .فقد جاء في تفسير الطبري نقلا عن أبو قتادة : ‏‏”أن الصديق إذا كان صالحا نفع، وأن الحميم إذا كان صالحا شفع”‏
وجاء في تفسير القرطبي نقلاعن الزمخشري ” كان علي رضي الله عنه يقول : ‏عليكم بالإخوان فإنهم عدة الدنيا وعدة الآخرة ; ألا تسمع إلى قول أهل النار : فما ‏لنا من شافعين ولا صديق حميم “.‏‎ :.‎

Aboalaa_n@yahoo.com

شاهد أيضاً

محمود دياب يكتب .. كاميرات المراقبة ودماء الأسفلت!!

لا أحد ينكر جهود الدولة المشكورة في تطوير وتحديث وإنشاء شبكة من الطرق والكباري على …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *