مقالة علمية
المحميات الطبيعية أو مخزونات الأنواع النادرة هي مواقع مختلفة متباينة المساحات في البيئة البرية اوالبحرية تحددها الحكومة وتقيد فيها أنشطة الصيد أو أي نشاط يدمر المخزون أو المورد الطبيعي الذي من أجله تمت حماية الموقع، وتحظر فيها ممارسة أي نشاط يؤدي لتدمير الموارد الطبيعية وتنظيم السياحة البيئية.
تعتبر المحميات اليوم خيارا إداريا وأداة من أدوات الإدارة في مصروجميع أنحاء العالم للحفاظ على البيئة وحفظ التنوع البيولوجي وتقليل تأثيرالتغيرات المناخية وتلبية الاحتياجات الغذائية والاقتصادية لدى المجتمعات فيها، ويتم إنشاؤها لأهداف الحفاظ على التنوع البيولوجي وحماية الموائل البرية والبحرية: من مواقع التعشيش والبيوض ومواقع التكاثر، ويمكن بها أيضا حماية بعض الأنواع المهددة بالانقراض عن طريق وقف ممارسات الصيد العشوائي غير المنظم أحيانا، فالمحميات الطبيعية تكون مواقع تقع ضمن خط هجرة الكائنات، وبالتالي فإن حماية هذه المواقع تساهم في حماية الأنواع المقيمة والمهاجرة، والمحميات الطبيعية في النظم البحرية أصبحت ضرورية لإدارة مصائد الأسماك، وضمان الاستخدام المستدام للموارد السمكية، حيث لا يمكن الحفاظ على البيئة وثرواتها بدون محميات طبيعية”.
المناطق المحمية اليوم ضرورية لخدمة 3 جوانب هي البيئة والناحية الاجتماعية والاقتصاد لأي تكوين مجتمعي، باعتبارها أفضل حل يساهم في تعزيز التنوع البيولوجي وحفظ التوازن البيئي والسياحة البيئية، كما يضمن وجود حياة مجتمعية صحية للأفراد من ناحية توفر الاحتياجات الغذائية والثقافات، والجانب الأخير هو الجانب الاقتصادي، حيث تضمن المحميات وجود مورد طبيعي احتياطي يمكن استخدامه عند ازدياد الطلب على المنتج، هذا نهج متكامل يمكن للمحميات الخاضعة لإدارة فعالة تنفيذه أو تحقيقه على مستوى الدول.
القوانين البيئية المصرية ذات الصلة: تُؤكد العديد من القوانين التزام مصر بالاستدامة البيئية، مما يؤثر بشكل مباشر على قطاع السياحة: قانون حماية البيئة (القانون رقم 4 لسنة 1994، المعدل بالقانون رقم 9 لسنة 2009): يُعد هذا القانون حجر الزاوية في الإطار القانوني البيئي في مصر، حيث أنشأ جهاز شؤون البيئة المصري، ووضع سياسات شاملة لحماية البيئة، بما في ذلك تلك التي تؤثر على الأنشطة السياحية. والقانون رقم 102 لسنة 1983 بشأن المحميات الطبيعية: يُحدد ويُنظم المناطق ذات الجمال الطبيعي والأهمية البيئية، ويُقيد الأنشطة التي قد تُلحق الضرر بهذه المناطق، والتي غالبًا ما تُمثل وجهات سياحية رئيسية. اما القانون رقم 268 لسنة 1959 بشأن حفظ الآثار، المعدل بالقانون رقم 117 لسنة 1983: يحمي التراث الثقافي المصري، بما في ذلك المواقع التي تُمثل محورًا أساسيًا في صناعة السياحة في مصر، من خلال تنظيم أعمال التنقيب ومعالجة الآثار. ومن خلال ربط حماية البيئة بالحفاظ على التراث الثقافي، تلعب هذه القوانين دورًا حاسمًا في صياغة ممارسات السياحة المستدامة في مصر.
بالنسبة لتعزيز ممارسات السياحة الصديقة للبيئة (السياحة البيئية) ، فقد أرست قوانين حماية البيئة، على وجه الخصوص، أسس مبادرات السياحة الصديقة للبيئة. فهي تُلزم بإجراء تقييمات الأثر البيئي للمشاريع السياحية، مما يضمن التزام المشاريع الجديدة في المناطق السياحية الجاذبة، مثل البحر الأحمر وشبه جزيرة سيناء، بمعاييرالاستدامة لضمان إستدامتها.وتُسهم هذه التقييمات في تقليل البصمة البيئية، وتشجيع استخدام الطاقة المتجددة، وضمان الحفاظ على المياه والتنوع البيولوجي المحلي.
تشمل الجوانب الرئيسية ما يلي:
تقييمات الأثر البيئي: تُعدّ هذه التقييمات إلزامية لجميع المشاريع السياحية الجديدة، وتُقيّم الآثار البيئية المحتملة للمشروع المقترح، بهدف منع الآثار السلبية على الموارد الطبيعية والنظم البيئية. ومبادرات الطاقة المتجددة: تُشجع على استخدام مصادر الطاقة المتجددة في قطاع السياحة، مما يُقلل الاعتماد على الوقود الأحفوري ويُقلل من البصمة الكربونية. وتدابير الحفاظ على المياه: تطبيق استراتيجياتٍ لكفاءة استخدام المياه، وتعزيز معالجة وإعادة استخدام مياه الصرف الصحي، وهو أمرٌ بالغ الأهمية في المناطق القاحلة مثل مصر.
الحفاظ على المحميات الطبيعية في مصر وإستدامتها
في مصر، لا يُعد الحفاظ على المحميات الطبيعية هدفًا بيئيًا فحسب، بل ضرورةً استراتيجيةً تؤثر بشكل مباشر على استدامة قطاع السياحة وجاذبيته. ويُجسّد قانون المحميات الطبيعية هذا الالتزام، إذ يضع إطارًا لحماية المناظر الطبيعية الشاسعة والمتنوعة في البلاد. وتتراوح هذه المناظر الطبيعية بين الصحاري والنظم البيئية الدقيقة للشعاب المرجانية في البحر الأحمر. ويُعدّ هذا القانون بمثابة درعٍ تنظيمي، يضمن عدم تقويض التنوع البيولوجي الغني والتراث الطبيعي الفريد لهذه المناطق بسبب ضغوط السياحة والتنمية. إن عملية تنظيم الأنشطة السياحية داخل هذه المناطق المحمية دقيقةٌ وهادفة. ويجب على منظمي الرحلات السياحية والمطورين والباحثين اتباع عملية تصاريح شاملة، مصممة لفحص الآثار المحتملة على هذه البيئات الهشة والتخفيف من حدتها. لا يركز هذا النهج التنظيمي على الحفاظ على الجمال الطبيعي فحسب، بل يعزز أيضًا ممارسات السياحة المسؤولة التي تتوافق مع المعايير العالمية للحفاظ على البيئة.
علاوة على ذلك، يُعزز التركيز على الحفاظ على المحميات الطبيعية ثقافة السياحة البيئية، ويشجع السياح والشركات على حد سواء على التفاعل مع الطبيعة بطرق تحترم البيئة وتُثريها وإستدامتها. وقد أصبحت المبادرات التي تُركز على الحفاظ على البيئة والتفاعل المستدام مع هذه البيئات الطبيعية سمةً مميزةً للعروض السياحية في مصر. ومن خلال هذه الجهود، تضمن مصر استمرارية محمياتها الطبيعية كوجهة جذب سياحية دائمة، مما يُسهم في تنوع واستدامة المشهد السياحي العالمي، مع حماية كنوزها البيئية للأجيال القادمة.
كذلك تساعد المحميات الدول في تحقيق تقدم محرز في أهداف تم التوقيع عليها مسبقا مثل اتفاقية التنوع البيولوجي ” CBD” الهدف 11 للتنوع البيولوجي لاتفاقية التنوع البيولوجي في أيشي”، حيث ينص على أنه بحلول عام 2020، في 17 % على الأقل من المياه الأرضية والداخلية، و10 % من المناطق الساحلية والبحرية، خصوصا المناطق ذات الأهمية الخاصة بالتنوع البيولوجي وخدمة النظام البيئي، يتم الحفاظ عليها بشكل فعال بإدارة عادلة”، وفي “COP15 في كونمينغ، الصين، في مايو 2021، مؤتمر الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي”، حيث دعا إلى حماية ما لا يقل عن 30 % من اليابسة والبحار بحلول عام 2030 لوقف انهيار التنوع البيولوجي، هذا ما أدرجته اتفاقية الأمم المتحدة بشأن التنوع البيولوجي (CBD).
وأيضا أهداف التنمية المستدامة، حيث يساعد وجود المحميات البحرية في تحقيق أهداف التنمية المستدامة 2030 للأمم المتحدة، خصوصا الهدف 14 من أهداف التنمية المستدامة، أي حفظ وحماية المحيطات والبحار واستخدام الموارد البحرية لزيادة الاقتصاد. ولو تعمقنا أكثر في دور المحميات والمجتمع لوجدنا أن معظم ثقافات الشعوب ترتبط بالبيئة فأهل البحر لهم أيام مرتبطة بالبحر مثل ما هو عندنا في الإمارات موسم المالح مثلا من العادات الموروثة التي تحمل ثقافة الشعب، كالأغذية والمحميات التي تحفظ هذه الموروثات الشعبية من الاندثار، أيضا هي مصدر للدخل للأفراد الحرفيين، لذا هي ضمان معيشي. إن المصطلح الذي تنادي به المحافل البيئية اليوم هو الاقتصاد الأزرق، حيث يقوم الاقتصاد الأزرق بإدارة الموارد المائية بطرق مستدامة، ومن ضمنها وجود محميات بحرية أو مواقع مائية تضمن بقاء وتنمية الاقتصاد الأزرق الذي يستند على وجود مزارع أسماك أو مصانع حفظ الأسماك أو مزارع الأحياء المائية كالطحالب والمحاريات، والتي تعزز الأمن الغذائي وتخلق فرصا وظيفية ودخلا للفرد.
أيضا تعتبر المحميات ذات الموارد المائية مصدر لمصائد أسماك مستدامة إذا تمت إدارتها بتوازن بيئي وإدارة تكاملية بين الاستهلاك والتنمية، وهناك أنشطة سياحية مختلفة ومنها مبتكرة تقوم على وجود المحميات مثل أنشطة رحلات استكشاف الطبيعة ورحلات مراقبة ورصد الحيوانات، ورحلات الغوص ورحلات استزراع المرجان، هذه أنشطة تمتهنها اليوم مراكز السياحة، ومن ناحية أخرى هي ذات استثمار بيئي، وتحتوي المناطق المحمية على أجمل المناظر الطبيعية في العالم، وبها مميزات ثقافية رائعة تشكل عوامل جذب للسياحة والترفيه. هذا الدور الجديد الذي تلعبه المحميات بالإضافة إلى الحفاظ على التنوع البيولوجي للأنواع، وتوفير موارد طبيعية لتلبية احتياجات المجتمع المختلفة، وأنا أرى من خلال خبرتنا العملية أن “قضية حماية البيئة تتماشى بالتوازي مع سياسة الاقتصاد الأخضر”، فالمحميات الطبيعية لها مساهمة كبيرة في الاقتصاد وزيادة الثروة الوطنية والدخل القومي ومستويات الناتج الاقتصادي والسياحى.
ويعد الصيد الجائر غير المنظم من أقوى التحديات التي تستنزف المحميات
بقلم: ا.د/ عاطف محمد كامل أحمد-سفير النوايا الحسنة- مؤسس كلية الطب البيطرى جامعة عين شمس استاذ ووكيل الكلية لشئون خدمة المجتمع وتنمية البيئة والمشرف على تأسيس قسم الحياة البرية وحدائق الحيوان – عضو اللجنة العلمية والإدارية لإتفاقية سايتس- وخبير الحياة البرية والمحميات الطبيعية اليونسكو وبرنامج الأمم المتحدة للتنمية وخبير البيئة والتغيرات المناخية بوزارة البيئة- المستشار العلمى لحديقة الحيوان بالجيزة-الأمين العام المساعد للحياة البرية بالإتحاد العربى لحماية الحياة البرية والبحرية- جامعة الدول العربية ورئيس لجنة البيئة بالرابطة المغربية المصرية للصداقة بين شعوب العالم