أن الإعلام يُعتبر أحد الوسائل الأساسية التي تسهم في تشكيل الوعي لدى الأفراد والمجتمعات، سواء كان ذلك على الصعيد الفكري أو الثقافي أو الاجتماعي. لان الإعلام في العالم الإسلامي بحاجة إلى مواكبة التحديات المعاصرة مع الحفاظ على القيم والمبادئ الإسلامية التي تحترم التنوع وتُعزز من قيم التضامن والتعاون بين أفراد المجتمع.
تؤدي وسائل الإعلام بشتى أنواعها دورًا كبيرًا في تشكيل الوعي المجتمعي لدى قطاع كبير من الأفراد من جهة، والمجتمعات من جهة ثانية، سواء أكانت الرسالة سلبية أم إيجابية، فالإعلام سلاح ذو حدين، إما أن يسهم في تعزيز وترسيخ القيم والعادات السليمة، وإما أن يكون معول هدم لها، ومن هذا المنطلق يقع على عاتق القائمين على هذه الآلة في عالمنا العربي والإسلامي دور كبير في انتقاء ما يعرض في شتى وسائل الإعلام من إذاعة أو تلفاز أو غيرهما.
تأثير الإعلام على القيم الإنسانية منظور متعدد الجوانب، أن الإعلام يلعب دورًا مزدوجًا في تشكيل هذه القيم. من جهة، يسلط سامي الضوء على قدرة الإعلام على استخدام القوة الناعمة لرفع مستوى الوعي حول القضايا الأخلاقية والاجتماعية، مما يمكن أن يعزز القيم الإنسانية مثل التعاطف والتسامح. ومع ذلك، يحذر من أن الإعلام قد يؤدي أيضًا إلى تفريق الناس وتعزيز سلوكيات سلبية، مما قد يقلل من أهمية هذه القيم.
من جهة أخرى، يأتي دور الجمهور في انتقاء المواد الإعلامية ذات المعنى والقيمة، لان المسؤولية تقع على الأفراد في استهلاك المعلومات بشكل ذكي. يتفق الطرفان على أن تأثير الإعلام يعتمد بشكل كبير على نوع المحتوى واستخداماته، مما يجعل البحث والتقييم المستمر للمضامين أمرًا ضروريًا لضمان بقاء واحترام القيم الإنسانية في مجتمعاتنا.
يأتي تأثير الإعلام في تكوين الوعي لدى الأفراد والمجتمعات، وكيف يمكن للإعلام أن يكون أداة قوية في رفع مستوى الوعي بالقضايا الاجتماعية، الثقافية، والدينية، مما يساهم في تعزيز الانتماء الوطني والإنساني. أن الإعلام يجب أن يكون وسيلة لتعزيز القيم الإيجابية مثل التسامح، العدالة الاجتماعية، والمساواة بين أفراد المجتمع.
لان المجتمعات الإسلامية تواجه تحديات كبيرة في عصر المعلومات، حيث يتعرض الأفراد إلى تدفقات إعلامية متنوعة تؤثر في شكل حياتهم وتفكيرهم. لذا، من الضروري أن يكون الإعلام في المجتمعات الإسلامية مسؤولا وهادفا، يساهم في نشر الوعي الصحيح ويعزز من الفهم العميق للقيم الدينية والاجتماعية. أن الإعلام يجب أن يكون أداة لتوعية المجتمع وتوجيهه نحو بناء مجتمع مستدام ومتوازن، قادر على التعامل مع التحديات العالمية في إطار من القيم الإنسانية والإسلامية.
أن الإعلام ليس أمرا مستحدثاً، وإنما هو قديم منذ أن وجدت البشرية على وجه هذه البسيطة. ذلك أن للإعلام دوره في إيصال المعلومات، كما له دوره في الدعوة إلى الأفكار والمبادئ عند أولي الأفكار والمبادئ، للتأثير على الناس بهدف تحويلها إلى مفاهيم، ومن ثَم إلى سلوك، فما الإعلام؟ وما تأثيره على الجماعات الإنسانية والأمم عامة، وعلى الأمة الإسلامية خاصة؟ وكذلك ما أثره على عملنا نحن حَمَلة الدعوة الذين أخذنا على عاتقنا إحداث التغيير الجذري الذي ينقذ البشرية من شقاء الرأسمالية؟
الإعلام من الفعل أَعلَمَ أي أخبرَ ونشَرَ، فالإعلام الإخبار، ونشر المعلومات والحقائق بعد جمعها وانتقائها، ويأتي بمعنى الدعوة، أي نشر الدعوة والتبشير بها. ويهدف إلى تزويد الناس بالأخبار الصحيحة والمعلومات السليمة والحقائق الثابتة التي تساعد على تكوين رأي عام صائب في واقعةٍ أو في مشكلة، معبّراً عن عقلية الجماهير واتجاهاتهم وميولهم.
ويمكن أن تتمثل الاستراتيجية المستقبلية لدور القيادات الإعلامية الشبابية العربية في ظل الإعلام الجديد في السعي للتأثير إيجاباً، والإسهام في صناعة وبناء مجتمع متوازن لتعزيز القيم المشتركة، ودعم التنمية الاجتماعية، وتعزيز هوية الثقافة في الإعلام العربي، لتعكس الحقائق من خلال تعزيز حرية الصحافة، والتعبير المهني بعيداً عن التضليل، بالاستخدام الأمثل لأدوات التكنولوجيا الحديثة في الإعلام الجديد، فضلاً عن تطوير مهارات الابتكار الإعلامي المختلفة.
كما يمكن لهذه الموجة من الإعلام الجديد أيضاً تعزيز التطلعات المجتمعية والإسهام بنشاط وفعالية في التوعية بالقضايا الاجتماعية العامة، ودعم التعليم والبحوث العلمية والتنمية الاقتصادية، وحماية البيئة والثروات الطبيعية، والمشروعات الريادية للشباب، والتنمية الإنسانية المستدامة بصفة عامة، والسعي لتعزيز التسامح، والارتقاء بالقيم، والإسهام بإيجابية في تعزيز روح التعايش والسلم وحل النزاعات والصراعات التي تشغل البشرية الآن.
كما يمكن للشباب العربي أيضاً مواجهة العديد من التحديات الراهنة والتغلب عليها، والاستفادة من الفرص الاستشرافية للمستقبل، بمزيد من توظيف الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي، وغيرها من جوانب تطورات التكنولوجيا السريعة اليوم، وزيادة المساهمة الإعلامية المهنية في ترشيد خطوط تأثير وسائل التواصل الاجتماعي بالاستغلال الأمثل لأدوات الذكاء الاصطناعي لتطوير المحتوى المبتكر والتفاعلي، ورفع مهارات العاملين في الإعلام،
وبناء استراتيجيات تسويقية فعّالة، وتعزيز الأمن السيبراني، والتكيف السريع مع التغيرات التكنولوجية، وترسيخ التعاون مع القطاع الخاص، وتعزيز حماية حقوق الملكية الفكرية لبناء شبكات علاقات دولية، وتطوير الصناعة وآليات العمل المستدامة في مجتمع إعلامي متوازن وملهم.
للقيم والأخلاق سلطة معنوية لا تنكر، وهي تستمد سلطتها من قوة المرتكزات التي تقوم عليها، وسمو المرامي والأهداف التي تريد الوصول إليها، إذ كلما كانت هذه المرتكزات المحركة جلية كلما كان للقيم سلطة تمارسها وتطبع بطابعها منظومة التفكير داخل المجتمع. فإذا سادت قيم الخير ساد الانسجام والتوافق، وارتدى الواقع رداء جنس القيم السائدة، وليس المقصود هو السيادة المطلقة، ولكن المراد هي أن تكون الطابع الغالب، فلا مكان لأحلام المدينة الفاضلة بل هو الواقع بمختلف تفاعلاته، والعكس صحيح، لكن مصدر الأزمة هو عندما تتلبس قيم الشر لباس قيم الخير، وتقدم نفسها على أنها هي الخير المطلق. المتأمل في السائد الفكري الذي يروجه إعلام هذه الأيام، يستخلص سيادة نمط فلسفي واحد لا يخطئه العقل يجد مصدره في فلسفة الطبيعة، وفي نظرتها إلى الإنسان باعتباره شيئًا من الأشياء آخر، يسهل السيطرة عليه وإخضاعه للتجربة وتحويله إلى مجرد مكون قابل للتكييف والتحويل حسب الأوضاع التي تراد له، وممنوع من أبسط مقوماته وهو حرية أن يفكر وأن يقرر مصيره بحرية اختيار.
الإعلام الصحيح يجب أن يكون هدفه الحقيقة، ومنهجه الصدق والموضوعية، وهذه كلها مقومات يستوي فيها جميع أفراد المجتمع الإنساني، لأن تلك هي المبشرات الأخلاقية التي تبشر بها الثقافات وتدعي كل القوى السياسية والاقتصادية والفكرية أنها تدعو إليها وتضمن الحفاظ عليها، على أساس أن الصوت الواحد نشاز ويضر أكثر مما ينفع، لكن واقع الحال يؤكد عكس ذلك، خاصة عندما تتمركز السلطة والقوة في بؤرة واحدة، وتحاصر الصوت الآخر، ويتحول الإعلام إلى بوق يخدم جهة واحدة ويحاصر الجهات الأخرى.
والأغرب هو أن تكون القيم والأخلاق هي الأداة التي تشحن بها القوة المتسلطة الإعلام من أجل محاصرة الأصوات الأخرى، ويصبح جوهر الأخلاق والقيم مجرد سفسطة لخداع ذوي المدارك التي يسهل أن تنجر خلف سيكولوجية الجماهير، كذلك عندما تتموقع الأصوات الأخرى في خانة الدفاع عن الحق والقيم والأخلاق.
تبدو القيم والأخلاق في هذه المعادلة هي الحلقة الأضعف، لأنها باعتبارها جوهرًا قد تفرغ من جوهرها وتحول إلى سيف يتسلط به طرف على الطرف المعارض بدعوى المروق عن القيم والأخلاق، بعبارة أخرى ومن منظور آخر، القيم قيم ما دامت تخدم رؤية طرف ضد طرف، والحال أن الأصل هو جوهر القيم والأخلاق، وليس تفسيرها وتأويلها حسب الأهواء والمصالح.
الإنسان من منظور إسلامي، منفتح على ثلاثة دوائر للتفكير: التفكير في الذات، والتفكير في الغير، والتفكير في المصير بعد الموت في الآخرة، لكن في معادلة تسلط طرف ما لا نجد سوى المنافع الخاصة واختزال القيم فيما يمكن جنيه من دون اعتبار للوسيلة، لأن الغاية تبرر الوسيلة والتفكير ينحصر في الذات وبالذات ويبقى الغير مجرد وسيلة. وبسبب تضخم الـ”أنا”، وضعت الخطط والسياسيات، ودبرت الحروب، وصنع الرأي العام وفق نمط فكري لا يعنيه من حقيقة الواقع إلا الأرقام وبيانات ارتفاع الربح والخسارة، حسب مؤشرات العرض والطلب، وأما الدائرة الثالثة فمحجوبة بإشباع هذه اللذة.–
دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي
ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري
وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا










