د. أحمد رفاعي يكتب.. عبد الله العباسي .. ودرس العمر كله !!

زمان و احنا أطفال في المدرسة الابتدائي في قريتنا الصغيرة الجميلة … أعلن ناظر المدرسة في الطابور الصباحي و لأول مرة عن مسابقة بمناسبة عيد الأم !
طلب مننا اننا في يوم عيد الأم .. نجيب معانا في المدرسة الهدايا اللي هنقدمها لأمهاتنا .. و أجمل هدية , هتاخد الجايزة الأولى !
……………
تحمسنا للفكرة .. و كل واحد فينا رجع بيته , حكي الموضوع لوالده و والدته , عشان يساعدوه أنه يجيب احسن و أغلى هدية .. عشان يفوز في مسابقة المدرسة !
………..
يوم الحفلة .. كل تلميذ تقريباً كان جايب هدية محترمة أوي لوالدته !
بالطبع كان واضح جداً أن الهدايا كلها , يقف وراءها الأباء و الأمهات , اللي كل واحد منهم كان أهم حاجة عنده , إن إبنهم يفوز في مسابقة المدرسة بجايزة أحسن هدية للأم في عيدها !
………..
تحول فناء المدرسة إلى ما يشبه الكرنفال في أجمل صورة !
كل التلاميذ قد جاءوا و كل منهم يحمل بين يديه هديته لأمه !
تنوعت الهدايا ما بين من أحضر معه هدايا ذهبية من نوعية خاتم . أو غويشة … أو كردان .. او حتى خلخال !
و منا من أحضر ملابس , يبدو من شكلها أنها غالية الثمن .. فستان بالترتر !! .. جزمة لسه بعلبتها ما اتفتحتش !! .. جاكت جلد !!.. شنطة حريمي لسه بتبرق جوه الكيس بتاعها !
و منا من أحضر معه العطور الغالية الثمن .. مختلفة الأنواع و مختلفة الأشكال و مختلفة الأحجام !
و منا من أحضر من محل والده , طاولة كبيرة , عليها كل ما طاب من المحل من شيكولاتات و حلويات و كرملة و ملبن !
……..
هدايا أشكال و ألوان , من الواضح جداً دور الأباء و الأمهات فيها .. أما دور التلاميذ فيها فكان مجرد ( حملها ) فقط !!
…………………………….
ميكروفون المدرسة منذ الصباح الباكر يبث على غير عادته , بدلاً من الأغاني الوطنية , كان يبث أغاني عيد الأم من ست الحبايب يا حبيبة .. إلى ماما يا حلوة يا أجمل غنوة .. في جو مبهجٍ بهيجٍ لم نعهده قبل ذلك !
……………………….
ثم ما هي إلا لحظات , ليعلن حضرة الناظر في ميكروفون المدرسة عن بدء فقرات الإحتفال , حيث أمرنا أن نصطف جميعنا في صفوفٍ منتظمة , تماماً مثلما نفعل كل صباح في أيام الدراسة العادية !
ثم أمر كل منا بالترتيب أن يتقدم خطوات حتى يبلغ منتصف الفناء , و معه هديته لأمه … ثم يعرض هديته على الملأ .. و صاحب أعلى تصفيق و أعلى تشجيع و أعلى هتاف و صياح , سيكون هو الفائز بالجائزة !
……………………
تقدم كل منا يعرض هديته أمام كل تلاميذ المدرسة … مستعرضاً شكلها و جمالها .. يقابله ثناءُ من حضرة الناظر و مدرسين المدرسة , الذي ما إن يصفق بيديه إعجاباً , إلا و يحذو حذوه كل تلاميذ المدرسة بعاصفة من التصفيق بعد تصفيقه !
…………..
إنتهينا من عرض هدايانا , حتى لم يتبق منا إلا ( عبد الله العباسي ) !
و عبد الله … كان طفلاً بسيطاً في كل شيء !
بسيطاً في ملابسه التي يرتديها لعامين متتاليين !
و بسيطاً في حقيبة مدرسته التي لم تكن إلا كيس من القماش , حاكته والدته , و أضافت له ( تعليقة ) يضعها حول كتفه !
و بسيطاً في حذائه .. أو بمعنى أصح .. حذاء أخيه الأكبر بتاع السنة اللي فاتت , اللي من غير رباط !!
تقدم عبد الله ليعرض هديته لأمه , و التي لم تكن إلا وردة بسيطة مثله .. قد قطفها من حديقة المدرسة !
…………………………………….
نظرنا إلى بعضنا نظرات طفولية شقية , مصحوبة بإبتسامة ماكرة , تتمحور معانيها حول : إيه اللي عبد الله جايبه لأمه ده ؟!
همهمات دارت بيننا , تصحبها جمل إستنكارية غير ناضجة , عن غباء عبد الله و استعباطه و قلة عقله اللي خلته جايب وردة في وسط الهدايا الثمينة الغالية الأخرى !
ليقطع علينا حضرة الناظر ما نحن فيه , عندما قام بالتصفيق بحرارة بالغة فاقت كل ما فعله مع أي منا !
ثم تبعه كل مدرسين المدرسة بتصفيقٍ فاق تصفيقه !
ثم بالأمر المباشر الغير معلن, تبعناه جميعنا في تصفيقٍ حادٍ يصم الاذان متماشياً مع حماسة حضرة الناظر التي ألهبتنا نظراته الثاقبة لنا و كأنه سيكتب إسم كل من لم يصفق بضمير , ليعاقبه على ذلك أشد العقاب !
……………………………………
تقدم بعد ذلك حضرة الناظر لمنتصف الفناء و بيمناه الميكروفون , بينما وضع يده اليسرى بكل حنان الأبوة على كتف عبد الله , و قد احتضنه إلى جانبه , ثم قال :
الجايزة الأولى .. سيحصل عليها عبد الله العباسي !
……………………………………..
إستبد بنا الوجوم .. و شعرنا بخيبة الأمل .. و إبتلعنا أحزان فشلنا في الفوز بالجائزة , مندهشين و مستغربين من ازاي عبد الله اللي ما جابش لامه غير حتة وردة دبلانة من الجنينة , هو اللي يفوز ؟ !!
و أقل واحد فينا جايب هدية لأمه بشيء و شويات , ما ياخدش الجايزة ؟!! !!
………………………………………
إنتهى الحفل !
و إنتهى أعظم درس خرجنا به إلى مضمار الحياة !
أن الحب لا يتناسب طردياً أبداً .. مع قيمة الهدية !
أن الإهتمام .. يعادل كنوز الدنيا و ما فيها !
أن ( كلمة ) يتذكرك بها أحدهم , و أنت بعيد … تعادل ملايين الكلمات .. و أنت قريب.

شاهد أيضاً

حضور كبير في حفل توقيع كتاب المسلماني “قريبًا من التاريخ” في دبي

كتب عادل احمد شهد حفل توقيع كتاب “قريبًا من التاريخ” للكاتب أحمد المسلماني حضورًا كبيرًا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *