(1) أيها الصمت المدجج بالكواكب
أيها الصمتُ المدججُ بالكواكب، قلْ له…
لم يعد في الرأس متسعٌ لصدى الأسئلة القديمة، ولا لخطوات العابرين الذين تركوا على أبواب الروح غبار الحيرة ومضوا. لقد ازدحمت الأزمنة في رأسي حتى صار الوقتُ نفسه عبئًا، وصارت الذكرياتُ مقاعدَ مكسورةً في مسرحٍ مهجور.
كلما حاولتُ أن أفتح نافذةً للضوء، دخلت منها ريحٌ تحمل وجوهًا رحلت، وأصواتًا مات أصحابها منذ زمن، لكنها ما زالت تُقيم في داخلي كأنها لم تغادر قط.
(2) أحجية الخريف
كان يجلس كل مساء أمام شرفته المطلة على النهر، يراقب الماء وهو يبتلع انعكاسات الأشجار. لم يكن يبحث عن شيء محدد، لكنه كان يشعر أن حياته كلها تحولت إلى أحجية بلا حل.
في الخريف الأخير، أدرك أن بعض الأسئلة لا تنتظر إجاباتها، بل تعيش لتُثقل القلب فقط.
نظر إلى أوراق الشجر المتساقطة وهمس:
“كم يشبهنا هذا الخريف… نسقط بهدوء، ثم يظن الآخرون أننا اخترنا الرحيل.”
(3) موتى على قيد الحنين
نحن موتى…
ليس لأن القبور احتوت أجسادنا، بل لأن شيئًا عميقًا في أرواحنا توقف عن النبض منذ زمن بعيد.
نمشي في الطرقات، نبتسم في الصور، نتبادل التحيات العابرة، لكن أرواحنا تجلس بعيدًا، عند محطة قديمة من العمر، تنتظر قطارًا لن يعود.
كثيرون يظنون أن الحياة تُقاس بعدد السنوات، بينما الحقيقة أنها تُقاس بعدد المرات التي فقدنا فيها شيئًا من أنفسنا ولم نستطع استعادته.
(4) عبث الريح
وفي ليلةٍ موحشة، هبّت الريح.
دخلت من شقوق النوافذ، ومن ثقوب الذاكرة، ومن الأبواب التي ظننا أننا أوصدناها جيدًا.
بعثرت رماد الأمنيات المكدسة في الزوايا، فارتفع الغبار كأنه أسراب من الفراشات.
للحظةٍ قصيرة، خُيّل إلينا أن الأحلام عادت للحياة.
ضحكنا.
ابتسمنا.
وربما صدّقنا المعجزة.
لكن الريح كانت تعرف أكثر منا؛ كانت تعرف أن الرماد لا يصبح شجرة، وأن الأمنيات المحترقة لا تُزهر مرة أخرى.
(5) رقصة الممكنات
رأيت امرأةً ترقص وحدها في ساحة مهجورة.
لم يكن هناك موسيقى.
ولا جمهور.
ولا ضوء سوى قمرٍ شاحب يراقب المشهد من بعيد.
كانت تدور حول نفسها كأنها تستدعي حياةً ضائعة.
وحين اقتربتُ منها، أدركت أنها لا ترقص فرحًا، بل تقاوم السقوط.
فالرقص أحيانًا ليس احتفالًا بالحياة، بل حيلةٌ أخيرة كي لا يسمع القلب صوت انكساره.
(6) سكون
وعندما انطفأت الليلة الأخيرة، فهمتُ ما لم أفهمه طوال العمر.
ذلك الذي ظننّاه بعثًا…
لم يكن سوى حركة الرماد تحت أصابع الريح.
وذلك الذي حسبناه حياةً جديدة…
لم يكن إلا سكون الممكنات وهي تتأمل مصائرها المؤجلة.
أما الصمت…
فكان جالسًا فوق تلةٍ من النجوم، يراقبنا بحكمة العارفين، ويبتسم.
لأنه وحده كان يعرف أن بعض النهايات لا تحتاج إلى بكاء، بل إلى اعترافٍ هادئ:
أننا تعبنا…
وأن الأحلام، مهما أشرقت، لا تنجو دائمًا من حريق الواقع.










