يشهد عالمنا اليوم مزيدا ً من العنف , المتعدد الوجوه والأشكال والمختلف المرامي والأهداف , مخلفا ً العديد من الضحايا والخسائر , وقد تنوعت أسبابه وبواعثه , وكثرت أشكاله ونماذجه .
ثلما حمل عصر النهضة الأوروبية العنف، نتيجة استغلال الطبقة العاملة، وشيوع خطف الأطفال والنساء، لاستغلالهم في العمل، حمل العصر الراهن الإرهاب كظاهرة من ظواهر عصر العولمة، مستلهما النهضة العلمية التي يشهدها العالم، كرد فعل لتفشي الاضطهاد الاقتصادي والفكري والسياسي والديني والهيمنة على الشعوب ونهب ثرواتها. وبسبب تطور وسائل التدمير والقتل، تطورت معها وسائل العنف المسلح.
ويعد الإرهاب أحد أنواع العنف المسلح وأكثرها شيوعا. ويندر أن توجد دولة في هذا العالم تخلو من منظمات العنف السياسي، لهذا فقد أصبح العنف السياسي ظاهرة دولية استمدت جذورها منذ أغوار سحيقة من التاريخ الإنساني، ونشأت بنشوء الدولة واستمرت باستمرارها. فنشأ إرهاب الدولة ضد مواطنيها، الذي أطلق عليه اسم إرهاب الأقوياء، وإرهاب الأفراد ضد سلطات الدولة الذي أطلق عليه اسم إرهاب الضعفاء.
وتمتد جذور الإرهاب السائد في الوقت الحاضر، إلى الدول الأوروبية على الصعيد الداخلي في الصراع بين الدولة وبين مجموعات مسلحة، ثم انتقل إلى الصعيد الدولي عندما تأسست الشركات والمنظمات الاستعمارية التي كانت تجوب العالم لاحتلال الأقاليم واستيطانها واضطهاد سكانها الأصليين.
إن العنف المتزايد والخطاب الخطير الذي تشهده الولايات المتحدة وحفنة من الديمقراطيات المتقدمة الغنية ينبع في المقام الأول من مشكلة سياسية ــ مشكلة ذات ثلاثة أبعاد:
الأول هو الاستقطاب السياسي الشديد ــ إذ يشعر الناخبون بأنهم في صراع وجودي تعتمد فيه حريتهم وديمقراطيتهم نفسها على هزيمة الأحزاب المعارضة.
إن السبب الثاني هو تفاقم الاستقطاب القائم واستغلاله من قبل بعض الزعماء السياسيين لبناء ولاء الناخبين وزيادة الدعم. وقد تلجأ الأحزاب أيضاً إلى استخدام الخطابات أو الدعم الأعمق للجماعات العنيفة لتكثيف مشاعر “نحن ضدهم” وبالتالي تنشيط قاعدتها الانتخابية، وترهيب المرشحين والناخبين المعارضين، والضغط على المسؤولين عن الانتخابات ــ كل هذا لزيادة فرص الفوز.
أما البعد الثالث والأخير فهو خيبة الأمل الشديدة التي يشعر بها بعض المواطنين إزاء كيفية عمل النظام السياسي وجميع الخيارات المتاحة للأحزاب الكبرى. وقد يؤدي هذا الإحباط إلى دفع المواطنين إلى تبرير العنف على أمل إحداث شيء مختلف. إن اكتشاف السلطة ومنذ وقت مبكر عدم جدوى استخدام العنف , يمكن أن يدفع نحو إرساء الحوار وتخليص المجتمع من أخطاء كثيرة وحتى إذا عجزت السلطة عن هذا الاكتشاف المبكر فإن استمرارية العنف السياسي وثقل أعبائه سيجعلها تكتشف من إن الخاسر من جراء هذا العنف هو الجميع . ولعل من أهم أسباب الصراعات والعنف السياسي المصالح , وقد أوردَ ماكس فيبر أنه تسيطر المصالح المادية والمعنوية , لا الأفـكــــار , سيطرة مباشرة على أعمال الناس , وتتحكم فيها . ومع ذلك , فإن صور العالم التي تخلفها هذه الأفكار , كثيرا ً ما تعمل كمحولات , تقرر الطرق التي تعمل فيها دينامية المصالح على إبقاء أعمال الناس هذه , ماضية في حركتها .
وقد بات للجريمة المنظمة تنظيم وأساليب عمل وأهداف محددة , وتجد بؤرا ً عالمية مؤاتية مع تدهور الأوضاع الاجتماعية , واتساع دائرة الفقر , وانحدار القيم الاجتماعية والإنسانية في ظل طغيان العولمة المادية , وبصرف النظر عن التعقيدات القانونية والاجتماعية التي تحول دون وضع تعريفات محددة للعنف والإرهاب وما يرتبط بها من ممارسات وأعمال , فإنه من الصعب إن لم يكن من المستحيل عزل هذه الظواهر عن النزاعات الأهلية داخل الدولة الواحدة . وفي ظل الأنظمة التسلطية فإن زيادة العنف الرسمي تؤدي الى نقص العنف غير الرسمي , وربما القضاء عليه نهائيا ً إذ يستطيع النظام أن يضرب القوى المناوئة ويقلص من نشاطاتها , ولكن ذلك يولد عدم استقرار بسبب استخدام المزيد من وحدات القهر . إن العنف السياسي يحرم الإنسان من حقه في الحياة ,
الذي نصت عليه جميع المواثيق الدولية , فقد ورد في المادة الثالثة مــن الإعــلان العالمــي لحقوق الإنسان إن ” لكل فرد الحق في الحياة والحرية وسلامة شخصه ” ونجد الأمر عينه في الاتفاقية الدولية بشأن الحقوق المدنية والسياسية , في المادة ( 6 ) الفقرة ( 1 ) ” لكل إنسان الحق الطبيعي في الحياة ويحمي القانون هذا الحق ولا يجوز حرمان أي فرد من حياته بشكل تعسفي ” .
إن العنف السياسي في المجتمع الحديث يؤدي , بسبب الطبيعة الفتاكة للسلاح الحديث وتأثيره الواسع النطاق الى قتل وجرح أشخاص آخرين لا علاقة لهم بالخصم الذي يستخدم ضده العنف , ويؤدي الى تهديم وإتلاف ممتلكات للأهالي الذين ليس لهم علاقة بالخصم المستهدف , وغالبا ً يؤدي العنف المسلح الى اضطرار عدد كبير من الناس لترك بيوتهم ومزارعهم فرارا ًمن القتل , وقد تصل إصابات القتل والجرح الى مئات الأشخاص وقد تصل الخسائر المالية الى مئات ملايين الأموال .
وإن بعض مظاهر الأهداف المادية من العنف تتضح من خلال قيام بعض الدول بإشعال الحروب لغزو أو استعمار أراضي غيرها لاستغلال خيراتها واستعباد شعوبها وتسخيرها , هذا على الصعيد الخارجي الواضح الذي يشكل أكثر مظاهر العنف في تاريخ البشرية , وقد يكون للعنف مظهر داخلي تهدف منه حكومات الدول إخراس معارضيها وضرب كل من تسوّل له نفسه الوقوف في وجه السلطة فترفع المشانق وتفتح السجون وسيلة رهيبة لغاية قبيحة
هناك بعض الآراء تدعو الى نبذ العنف كليا ً, وحتى لو أتى بصورة رسمية , ولغاية معاقبة المجرمين حيث دعا هؤلاء الى إلغاء عقوبة الإعدام والاقتصار على عقوبة الحبس .
هناك سبل عديدة لمواجهة العنف السياسي ومكافحة آثاره , والتقليل من أضراره , منها تبني تداول السلطة بشكل سلمي , بعيدا ً عن وسائل العنف والإكراه , وإجراء انتخابات دورية , يشارك فيها الشعب , ويؤخذ بنتائجها , واعتماد مبادئ الشفافية والعدالة والنزاهة .
ولعل منها تبادل المعلومات والتعاون المشترك بين أجهزة الدولة المختلفة , وكذلك من المفترض أن تعمل أجهزة الإعلام على صياغة أهداف القوى التي تستخدم العنف السياسي بشكل لا يكفل لهم مكاسب دعائية , ولا يمنحهم تعاطف الجمهور .
ومن هنا , يبدو دور الإعلام السياسي الذي يستهدف من خلال ما يقدمه من أخبار وموضوعات وصور وتعليقات وتحليلات خلق المناخ الذي يهيئ مساندة الرأي العام لتوجهات العمل السياسي عبر تزويد الجماهير بالمعلومات والقرارات السياسية التي تساعد على تكوين رأي عام موحد يدعم من توجهات النظام السياسي في هذا المجال , والارتفاع بمستوى الوعي العام كوسيلة لتنمية روح الجماهير وحشد طاقاتها للوصول الى تنمية المجتمع والارتقاء به .
إن القوة ليست غاية في ذاتها , إنما وسيلة لتحقيق غاية سياسية , لذلك كان لا بد من وضع ضوابط لممارسة القوة والإكراه , وهذه الضوابط يعبر عنها بالقانون , أي ” مجموع القواعد الحقوقية التي تضعها السياسة من أجل استعمال القوة في خدمة هدف السياسة بشكل أكثر فاعلية , وبدون القانون تصبح القوة غاية بذاتها وتتناقض مع غاية السياسة , وبدون القوة يصبح القانون مجرد قواعد ل قيمة لها عمليا فالقوة والقانون ليسا سوى وسيلتين , لا معنى لهما بذاتهما , وإنما بالهدف الذي يطمح الإنسان الى تحقيقه , عبر التنظيم السياسي “
إن القوة لا تمارس فقط من خلال التأثير في المسائل والقرارات السياسية , وإنما حاول أولو القوة إن يخلقوا من القيم الاجتماعية والسياسية , ومن الممارسات التنظيمية , ما يحيل العملية السياسية الى الاهتمام فقط بالمسائل التي يرغبون في إثارتها , واتخاذ القرارات بشأنها .
وهناك من الباحثين من يشدّد على الجانب الثقافي في إيجاد الحلول لمشكلة العنف المسلح , إذ يقول في هذا الصدد : ” إن الثقافة التي يحتاج إليها الإنسان اليوم وفي المستقبل القريب والبعيد هي ثقافة الكشف عن مقاصد أيديولوجيا العنف بدءا ً , ثم السعي الى تجاوز وقائعها وأحكامها , فهذا الكابوس الذي استبد بحياتنا الراهنة يستدعي تفكيكا ً خاصا يعود الى الأسباب الأولى عند توصيف الظاهرة , إذ العنف في مختلف الوضعيات , هو حادث لسالف , وهو الحادث الذي لا يمكن أن ينتج سوى حادث آخر , كالعنف المضاد ” .
ووفقا ً لروستو Rustow تنشأ الديمقراطية عندما تقبل النخبة , إما بالتدرج أو عند مفترق تاريخي , مبدأ التعددية السياسية , وما يهم في هذه المرحلة وهو ليس قناعات النخبة بل أفعالها , ويكتسب الخيار ألأداتي الذي تم قبوله قيمة أو يحول الى قناعة في مرحلة التعود أو الترويض .










