مقالة علمية
.
ليس التلوث البلاستيكي مجرد قضية بيئية، بل هو أزمة عميقة تؤثر علينا جميعًا. حيث تُختنق المحيطات والأنهار والغابات التي نعتز بها بفعل النفايات البلاستيكية. حيث تُكافح الحياة البحرية للبقاء على قيد الحياة وسط حطام البلاستيك، وتُسدّ المجاري المائية، وتُشوّه المناظر الطبيعية بالقمامة التي لا تختفي. إن طبيعة التلوث البلاستيكي طويلة الأمد تجعله خطيرًا للغاية ويصعب التعامل معه. لماذا يبقى البلاستيك في البيئة؟ لا يتحلل البلاستيك بيولوجيًا كما تتحلل المواد العضوية. بل يتحلل إلى شظايا أصغر بمرور الوقت بفعل التعرض لأشعة الشمس والرياح والمياه. يمكن أن تبقى هذه الشظايا، المعروفة باسم الجزيئات البلاستيكية الدقيقة، في البيئة لمئات أو حتى آلاف السنين.
ما هو التلوث البلاستيكي؟ حيث يُشير التلوث البلاستيكي إلى تراكم النفايات البلاستيكية في بيئتنا، مما يؤثر سلبًا على الحياة البرية والنظم البيئية وحياة الإنسان. وتنتشر النفايات البلاستيكية في كل مكان. فهي تسد الأنهار، وتُلوث المناظر الطبيعية، وتؤذي الحيوانات التي تظنها طعامًا. ويتجاوز إنتاج البلاستيك العالمي اليوم 400 مليون طن سنويًا. ويُستخدم جزء كبير منه في المنتجات التي تُرمى في غضون دقائق، لكنها تبقى في البيئة لمئات السنين. وتعتبرالأن أكثر التهديدات البيئية إلحاحًا على كوكب الأرض. وفيما يلى أنواع البلاستيك:
-البلاستيك أحادي الاستخدام: وهي مواد تُستخدم لمرة واحدة وتُرمى، مثل الأكياس البلاستيكية، والمصاصات، وأدوات المائدة، ومواد التغليف. وتُشكل هذه المواد جزءًا كبيرًا من النفايات البلاستيكية الموجودة في المحيطات ومكبات النفايات.
-البلاستيك الدقيق: جزيئات بلاستيكية دقيقة يقل حجمها عن 5 ملليمترات، وتأتي من تحلل البلاستيك الأكبر حجمًا، أو تُضاف عمدًا إلى منتجات مثل مستحضرات التجميل ومواد التنظيف. وهي غير مرئية للعين المجردة، ولكنها موجودة في الماء والتربة وحتى الهواء.
-البلاستيك الصناعي: يشمل المواد الأكبر حجمًا مثل الزجاجات البلاستيكية والحاويات والمواد الصناعية. ومع مرور الوقت، تتفتت إلى قطع أصغر، مما يُفاقم مشكلة التلوث.
مصادر التلوث البلاستيكي
-نفايات المستهلكين: مواد مثل الزجاجات والأغلفة والأكياس التي تُرمى بشكل غير صحيح أو لا يُعاد تدويرها، تنتهي في البيئات الطبيعية.
-النفايات الصناعية: تُطلق المصانع حبيبات البلاستيك ومواد التغليف والنفايات في المجاري المائية والتربة، غالبًا دون تنظيم مناسب.
-معدات الصيد: تطفو شباك الصيد والخيوط والفخاخ المهجورة، والمعروفة أيضًا باسم “معدات الصيد الشبحية”، في المحيطات، مما يؤدي إلى احتجاز الحياة البحرية وإتلاف الشعاب المرجانية.
-المنسوجات والملابس: تُفرز الأقمشة الصناعية، مثل البوليستر، جزيئات بلاستيكية دقيقة أثناء الغسيل، والتي تتدفق بعد ذلك إلى الأنهار والمحيطات.
البلاستيك الصناعي: يشمل موادًا أكبر حجمًا مثل الزجاجات البلاستيكية والحاويات والمواد الصناعية. مع مرور الوقت، تتفتت إلى قطع أصغر، مما يُفاقم مشكلة التلوث.
تأثير التلوث البلاستيكي على البيئة وصحة الإنسان
-التأثير البيئي: حيث وصل تلوث البلاستيك إلى كل ركن من أركان الأرض. في محيطاتنا، تقتل النفايات البلاستيكية الحيوانات البحرية التي تتغذى عليها أو تتشابك فيها. تعاني الشعاب المرجانية، وتتناقص أعداد الأسماك، وتصبح الشواطئ مكبات للنفايات بدلاً من موائل آمنة. ولم تسلم الأرض أيضًا من التلوث البلاستيكي، إذ تسد النفايات البلاستيكية الأنهار، وتلوث الغابات، وتدمر صحة التربة، مما يؤثر سلبًا على الزراعة والتنوع البيولوجي.
-التأثير على صحة الإنسان: يتحلل البلاستيك إلى تهديدات خفية. توجد الآن جسيمات بلاستيكية دقيقة في طعامنا ومياهنا وحتى في الهواء. تحمل هذه الجسيمات مواد كيميائية سامة مثل الفثالات وBPA، والتي يمكن أن تتداخل مع الهرمونات البشرية وتؤدي إلى مشاكل صحية طويلة الأمد مثل السرطان والعقم ومشاكل النمو.
ويؤثر تلوث البلاستيك بشكل كبير على الهدف الرابع عشر من أهداف التنمية المستدامة (الحياة تحت الماء) من خلال الإضرار بالنظم البيئية البحرية وتهديد التنوع البيولوجي. يركز الهدف الرابع عشر على الحفاظ على المحيطات والبحار والموارد البحرية واستخدامها بشكل مستدام، ويؤثر تلوث البلاستيك بشكل مباشر على هذه الأهداف. وتحديدًا، تُلحق المخلفات البلاستيكية، بما في ذلك الجسيمات البلاستيكية الدقيقة، ضررًا بالحياة البحرية من خلال التشابك والابتلاع وتدمير الموائل. وللتلوث البلاستيكي تأثيرٌ مدمر على الحياة البحرية، إذ يؤدي إلى التشابك والابتلاع وتدمير الموائل وانتشار الأنواع الغازية. قد تُحاصر الحيوانات في مخلفات البلاستيك، مما يؤدي إلى الإصابة أو الوفاة، كما قد تبتلع البلاستيك ظنًا منها أنه طعام، مما قد يُسبب إصابات داخلية وانسدادات وجوعًا. ويُساهم التلوث البلاستيكي أيضًا في تدمير الموائل، وقد يُدخل مواد كيميائية ضارة إلى البيئة البحرية.
-الآثار المحددة: التشابك: فقد تتشابك الحيوانات البحرية، مثل السلاحف والفقمات والطيور البحرية، في البلاستيك، بما في ذلك شباك الصيد وحلقات الزينة والأكياس البلاستيكية، مما قد يُسبب إصابات أو التهابات أوغرقًا.
-الابتلاع: فكثيرًا ما تبتلع الحيوانات، وخاصة الطيور البحرية والسلاحف البحرية والأسماك، مخلفات البلاستيك ظنًا منها أنه طعام. قد يُسبب هذا إصابات داخلية وانسدادات وجوعًا.
-السمية الكيميائية: يحتوي البلاستيك على مواد كيميائية مُختلفة يُمكن أن تتسرب إلى البيئة البحرية، مما قد يُلحق الضرر بالحياة البحرية من خلال التعرض للسموم.
-تدمير الموائل: يمكن للمخلفات البلاستيكية الكبيرة أن تخنق الشعاب المرجانية وأحواض الأعشاب البحرية، مما يؤدي إلى تدمير موائل حيوية للكائنات البحرية.
-انتشار الأنواع الغازية: يمكن أن تعمل المخلفات البلاستيكية كطوف، ينقل الأنواع الغازية إلى مناطق جديدة، مما يُخل بالنظم البيئية.
-انخفاض توافر الغذاء: يمكن أن يُقلل التلوث البلاستيكي من توافر مصادر الغذاء للكائنات البحرية، مما يؤدي إلى المجاعة أو سوء التغذية.
-اختلال شبكات الغذاء: يمكن أن يؤثر التلوث البلاستيكي على شبكة الغذاء من خلال التأثير على كل من الفرائس والحيوانات المفترسة.
-تغيير السلوك: يمكن أن تُغير المخلفات البلاستيكية العائمة سلوك الحيوانات البحرية، مما قد يؤثر على قدرتها على إيجاد الغذاء أو التكاثر.
-زيادة معدلات الوفيات: يمكن أن تؤدي الآثار التراكمية للتشابك والابتلاع وغيرها من التأثيرات إلى زيادة معدلات الوفيات وانخفاض أعداد مختلف الأنواع البحرية.
وفيما يلي كيفية ارتباط التلوث البلاستيكي بالهدف 14 من أهداف التنمية المستدامة:
-التلوث البحري: يهدف الهدف 14 من أهداف التنمية المستدامة إلى منع التلوث البحري بجميع أنواعه والحد منه بشكل كبير، وخاصةً الناتج عن الأنشطة البرية مثل النفايات البلاستيكية.
-النظم البيئية والتنوع البيولوجي: يؤثر التلوث البلاستيكي سلبًا على النظم البيئية البحرية والتنوع البيولوجي، مما يهدد الشعاب المرجانية وتجمعات الأسماك وأنواعًا أخرى.
-مصايد الأسماك المستدامة: يمكن أن تؤثر مخلفات البلاستيك على تجمعات الأسماك وممارسات الصيد، مما يؤثر على استدامة مصائد الأسماك.
-تحمض المحيطات: على الرغم من أن تحمض المحيطات لا ينتج بشكل مباشر عن البلاستيك، إلا أنه يتفاقم بسبب الأنشطة البشرية مثل زيادة انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، والتي تهدد أيضًا الحياة البحرية والنظم البيئية.
-الآثار الاقتصادية: للتلوث البلاستيكي تكاليف اقتصادية كبيرة، بما في ذلك آثاره على السياحة وصيد الأسماك وغيرها من الصناعات البحرية.
إجراءات للحد ومعالجة التلوث البلاستيكي وتحقيق الهدف 14 من أهداف التنمية المستدامة:
-الحد من استهلاك البلاستيك: يُعد الحد من استخدام المواد البلاستيكية أحادية الاستخدام، مثل الأكياس والزجاجات، أمرًا بالغ الأهمية.
-الإدارة السليمة للنفايات: يُعد تحسين أنظمة إدارة النفايات لمنع تسرب البلاستيك إلى المحيطات أمرًا بالغ الأهمية.
-إعادة التدوير والاقتصاد الدائري: تشجيع إعادة التدوير ونهج الاقتصاد الدائري للحد من النفايات البلاستيكية وتشجيع إعادة الاستخدام.
-المناطق البحرية المحمية: إنشاء مناطق بحرية محمية وإدارتها بفعالية لحماية النظم البيئية البحرية.
-التعاون الدولي: لا بد من تضافر الجهود بين الدول والمنظمات لمعالجة تلوث البلاستيك بفعالية. بالإضافة للجهود العالمية للقضاء على التلوث البلاستيكي برنامج الأمم المتحدة للبيئة والمعاهدة العالمية للبلاستيك: حيث يقود برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) جهدًا تاريخيًا لوضع معاهدة عالمية ملزمة قانونًا بشأن البلاستيك. تهدف هذه المعاهدة إلى معالجة دورة حياة البلاستك الكاملة
قلم: ا.د/ عاطف محمد كامل أحمد-سفير النوايا الحسنة- مؤسس كلية الطب البيطرى جامعة عين شمس استاذ ووكيل الكلية لشئون خدمة المجتمع وتنمية البيئة والمشرف على تأسيس قسم الحياة البرية وحدائق الحيوان – عضو اللجنة العلمية والإدارية لإتفاقية سايتس- وخبير الحياة البرية والمحميات الطبيعية اليونسكو وبرنامج الأمم المتحدة للتنمية وخبير البيئة والتغيرات المناخية بوزارة البيئة- المستشار العلمى لحديقة الحيوان بالجيزة-عضو مجلس كبار العلماء العرب -الأمين العام المساعد للحياة البرية بالإتحاد العربى لحماية الحياة البرية والبحرية- جامعة الدول العربية ورئيس لجنة البيئة بالرابطة المغربية المصرية للصداقة بين شعوب العالم










