هذا النص أرهقني جدا حين كتبته وأرهقني أكثر حين خرجت منه
من أطول النصوص التي كتبتها
ولا أظن أنني أُعيد التجربة
(12)
في ظهر يوم ساكن
فتحت الخزانة نفسها ببطء
وكأنّها تتنهد من عمق الذكرى
وفي قلب أحد الرفوف
كانت تقف زجاجة صغيرة
شفافة و فارغة
فارغة؟
ليس تمامًا
حين اقتربت الريح منها
فاحت رائحة خافتة…
رائحة تشبه صوت امرأة تضحك مرة
وتبكي مرتين
ثم تصمت طويلاً
المرأة التي امتلكت هذه الزجاجة
لم تكن تضع العطر لتغري
كانت تُخفي شيئًا ما
كأنها تقول…
“لا تشمّوا ما أفكر به…
شمّوا ما أريد أن أنساه”
في الليلة الأخيرة
استعملت آخر قطرة
ثم وضعت الزجاجة في الخزانة دون غطاء
وكأنها أرادت أن تترك شيئًا منها يتسرّب…
ببطء…. وبلا صوت
حتى يفرغ العالم من وجودها تدريجيًا
منذ ذلك الحين
كلما فُتحت الخزانة
مرّت الرائحة للحظة ثم اختفت
مثل ضحكةٍ قديمة
تُقال في المنام
ولا نعرف لمن كانت
(13)
في الليلة الثالثة عشرة
دارت الريح في أرجاء البيت ثم اختبأت
كما لو أنها تبحث عن شيء ضاع منها
الخزانة فُتحت ببطء
وفي أحد الأدراج المغلقة منذ أعوام
عُثر على ساعة يدٍ صغيرة
ذهبية اللون
متوقفة عند الثانية والربع…
لكن لا أحد يتذكر ماذا حدث عند الثانية والربع
المرأة التي امتلكتها
لم تكن تنظّم بها وقتها
بل كانت تلبسها كتعويذة…
كأنها تقول…
“أنا لا أريد أن أصل في الوقت
بل أن أُؤجّل الخذلان”
يقال إنها كانت تعدّ دقائق الغياب
وإنها أوقفت الساعة بنفسها
عند لحظة لم تقع أبدًا
لكنها كانت تتوقّعها بشدّة
منذ ذلك اليوم
الساعة لا تعمل
وكل من نظر فيها
يشعر أنّه نسي شيئًا مهمًّا في الثانية والربع…
شيئًا لم يحدث
لكنّه ما زال يوجعه
(14)
في صباحٍ مشوش،
حين ارتبكت النوافذ بين الشروق والستائر
فتحت الخزانة نفسها على غير عادتها
كما لو أنّها كانت تبحث عن شيءٍ لم تفقده بعد
في الركن الأيمن
تحت وشاحٍ قديم
وُجد مشبك شعر صغير
عادي المظهر
لكنّه كان يحمل صمتًا كثيفًا
كأنّه أُغلق ذات مرة على سرٍّ لم يُفلت
المرأة التي كانت تملكه
لم تكن تزيّن به شعرها
كانت تُثبّت به انفعالاتها…
تجمع به أفكارها الفوضوية
تُحكمه على رأسها
حين تخشى أن تتسرّب الكلمات
في آخر يوم
خلعت المشبك فجأة
ورمت شعرها في الهواء
وقالت للخزانة بصوتٍ خافت
“دعوه يتناثر… لا جدوى من ترتيب ما لن يُفهَم”
ومنذ ذلك الحين
كلما فُتح باب الخزانة
يصدر صوت طفيف
كأنّ مشبكًا صغيرًا يُفتح في داخل امرأةٍ كانت تكتب
ثم انكفأت على نفسها
(15)
في أحد الأركان السفلية
ملتصقًا بجدار الخشب
كانت هناك علبة كبريت صغيرة
باهتة.. مائلة قليلًا
تحمل أثر يدٍ مرتجفة تركتها منذ زمن
حين فُتحت العلبة
كانت معظم الأعواد مكسورة
إلا واحدًا —
كان سليمًا… لكنه محروق
نهايته سوداء.. لكن لا دخان
لا رائحة،.. لا أثر لنار
قالت الخزانة…
“هذا العود لم يُشعل شيئًا…
هو الذي احترق”
المرأة التي وضعته هناك
لم تكن تحاول الإضاءة
كانت فقط تمسكه بيدها في لحظات التردّد
تمسده.. تفكر.. تخشى
ثم تضعه جانبًا
ويبدو أن كل تلك اللحظات
تجمّعت فيه
حتى اشتعل من الداخل…
دون أن يلمسه أحد
منذ ذلك اليوم
كلما فُتحت الخزانة
تصدر منها دفقة خفيفة من رمادٍ وهمي
يختفي سريعًا
كأنه تذكير..
أن هناك أشياء تحترق لأن أحدًا لم يمدّ لها يده
(16)
في رفٍ مرتفع
حيث لا تصل الأيدي عادة
كانت هناك قارورة كحل صغيرة
شفافة كدمعة محبوسة
لكنها جافة تمامًا
كأنّ كل سوادها سال في غيابٍ طويل
لا أحد يعرف متى وُضعت هناك
لكن الزجاجة ما زالت تحمل أثر يدٍ أنثوية
أصابع كانت تفتحها كل صباح
وترسم بها ما لا يُرى
المرأة التي امتلكتها
لم تكن تضع الكحل لتتجمّل
بل لتُحدّد حدودها في المرآة
كأنها تقول…
“ها هنا تنتهي عيني… ويبدأ العالَم”
كانت ترسم خطًا أسود فوق الجفن
ثم تمضي إلى الحياة وكأنها مستعدة
لكن في ليلةٍ ما
أُغلقت القارورة دون وداع
وتركتها المرأة على الرف
وذهبت تنظر إلى الأشياء بعينين خاويتين
منذ ذلك اليوم لم تبتلّ القارورة
لكنها كلما اهتزت بفعل الريح
تصدر منها خشخشة خفيفة
كانها دمعة قديمة جفت.. لكنها لم تٌمح
(17)
فصّ القرط
كان صغيرًا.. مستديرًا
يشبه قطرة لؤلؤة سقطت من أذن البحر
لكن حافته مكسورة
كأن أحدًا حاول أن يُخرسه فترك فيه شرخًا لا يُشفى
وُجد أسفل الخزانة
ملتصقًا بشقٍّ خشبي
كأنه لا يريد أن يُعثر عليه
المرأة التي فقدته
لم تكن ترتدي الحلي لتتزيّن
ربما لتتوازن
كان القرطان يشبهان جسرًا بين ما تسمعه وما تكتمه
وحين سقط أحدهما
مالت كفّتها نحو الصمت
لم تبحث عنه كثيرًا
قالت فقط..
“من سقط لا يعود
ومن بَقِي، لا يتكلم وحده”
ومنذ ذلك الحين
صار الفصّ المكسور ينزلق أحيانًا من مكانه
يرتجّ عند مرور الريح
كأنه ما زال يردّد الكبمة التي لم تقل
(18)
بطارية لا تعمل.. لكنها تخفق
وُجدت في ظرف صغير
مرسوم عليه قلب بقلم أزرق
بطارية ساعة صغيرة
غير صالحة، لكن ساخنة قليلًا
كأنها ما زالت ترفض فكرة الموت
المرأة التي احتفظت بها
كانت تظن أن الساعات لا تموت
بل فقط تنتظر أن يلتفت إليها أحد
كانت تغيّر البطارية كلما شعرت بالتعب
وكأنها ترمّم الوقت بتقنيات بسيطة
لكن في آخر مرة.. لم تشترِ بديلًا
بل وضعت البطارية القديمة في ظرف
وكتبت عليه دون أن ترسله
“لا أريد وقتًا جديدًا…
يكفيني هذا الذي لم يكتمل”
كلما مرت يد فوق الظرف
تنبض البطارية للحظة
ثم تسكن…
مثل قلبٍ تدرّب كثيرًا على النسيان
لكنه ما زال يرتجف عند مرور الطيف
(19)
قطعة قماش برائحة لم نعرفها من قبل…
نسيج صغير
ربّما طرف من منديل
أو بطانة لثوبٍ لم يُخَطّ بعد
لكنّ الرائحة المنبعثة منه غريبة
لا تُشبه عطرًا معروفًا
ولا ذكرى مُحددة
المرأة التي تركتها
كانت تقول إن لكل امرأة عطرًا خاصًا
لا يُباع… لا يُهدى.. لا يُصنع
بل يتكوّن حين تنكسر بطريقةٍ لا تُرى
قالت…
“حين ينكسر شيء بداخلي
تخرج مني رائحة… تشبهني.”
هذه القطعة ظلّت في الخزانة
تُفاجئ الداخلين بشذى لا يمكن تفسيره
كأنها الجزء الوحيد من امرأة
لم يلمسه النسيان
(20)
في درج جانبيّ مغلق بمسمارٍ صغير
وُجد شريط كاسيت قديم
عليه ملصق ممزّق
وفي منتصفه خربشة كأنها توقيع أو زفير متردّد
حين وُضع في المسجّل
لم يُصدر موسيقى…
بل صوت امرأة تتنفّس
ثم تصمت
ثم تحاول النطق… ولا تفعل
كل مرة يُشغّل فيها
يتوقّف الصوت عند النقطة ذاتها
لحظة ما قبل البوح
المرأة التي سجّلته
لم تكن تغني
بل تحاول أن تقول شيئًا أخيرًا…
ربما وداعًا…. ربما لا
وربما مجرّد نَفَس لم يجد طريقه إلى الكلام
قيل إنها كانت تسجّل رسائلها بصوتٍ خافت
ثم تمحوها قبل أن تُسمع
لكن هذا الشريط نجا من المحو
وظلّ يدور حول نقطة واحدة
كأنّه قلبٌ تائه…
لا يعرف إن كان ما يشعر به جديرًا بأن يُقال
(21)
عين زجاجية على رفٍ لا ينظر إليه أحد
لم تكن لدمية
ولا لطفل
ولا تمثال
هذه العين الزجاجية كانت لأمرأة قالت ذات مساء
“لا أريد أن أُغلق عيني…
فخذوا واحدة مني.. واتركوها مفتوحة إلى الأبد.”
وضعتها في الخزانة ببطء
وأحكمت حولها قطعة قطن صغيرة
كأنّها توصي الهواء بها
لم تكن ترى بها الأشياء
بل الأحاسيس التي لم تجد لها وجوهًا
كل من نظر إلى هذه العين
شعر أنها تراه من الداخل
تجرده من الملامح
وتسأله…
“هل ما زلت تتظاهر؟ أم بدأت تصدّق التمثيل؟”
ومنذ ذلك اليوم
الخزانة لا تجرؤ على إغلاق بابها تمامًا…
فالعين حتى وهي زجاج تراقب
(22)
دفتر أبيض لكن صفحاته ممزّقة من المنتصف
وُجد على الرفّ السفلي، مغلّفًا بعناية
كأنه لا يُريد أن يُفتح
ولا أن يُنسى
صفحات الدفتر بيضاء تمامًا
لكن كل واحدة منها ممزّقة بخطٍّ مستقيم في منتصفها
كأن يدًا ما كانت تكتب… ثم تندم
أو كأن الأفكار تهرب في منتصف الطريق
ولا تعود
المرأة التي كانت تكتبه
لم تكن تسجّل يومياتها
بل كانت تترك المساحات فارغة عن قصد
وتقول…
“هذه هي اللحظات التي لا أحتمل كتابتها
فاتركوها لبياضها”
وحين سُئلت لماذا تمزّق الصفحات
قالت…
“أنا لا أمزّقها… أنا أترك مكانًا للحزن كي يمرّ دون أن يلمس الحبر”
ومنذ ذلك اليوم
كل من فتح الدفتر
شعر بأنه بدأ يقرأ شيئًا ما
ثم ضاع منه فجأة…
كما تضيع الذكرى التي لم تقع بعد
(23)
على حلقة صدئة
يتدلّى مفتاحٌ صغير
نحاسيّ، ثقيل رغم حجمه
ملامحه مألوفة… لكنه بلا قفل
لم يعرف أحد لماذا وُضع في الخزانة
لكن المرأة التي كانت تضعه في جيبها كل يوم
قالت مرة…
“أنا لا أبحث عن باب
أنا فقط أُحب أن أَحمل احتمالا “
كانت تمرّر أصابعها عليه كلما شعرت أن الحياة تُغلق
فتطمئن قليلاً…
ثم تكمل يومها دون أن تفتحه على شيء
وحين رحلت
تركته في درجها دون ملاحظة
فقط رنينه الخفيف ما زال في الغرفة
كأنه يقول…
“بعض الأبواب لا تُفتح بالمفاتيح… بل بالانتظار”
(24)
مرآة صغيرة لا تعكس شيئًا
مستديرة بحجم الكف
إطارها نحاسي باهت
سطحها صافٍ… لكنه لا يعكس الوجوه
كلما نظر فيها أحد.. رأى الفراغ
لا ملامح.. لا ظلّ.. ولا ضوء
فقط… عدم
المرأة التي وضعتها هناك
كانت تبتسم أمامها طويلًا
ثم تهمس…
“أحب أن أرى ما بداخلي… حين لا يكون أحد بالخارج”
قالت إن هذه المرآة خُلقت لتعكس ما لا يُرى
ولهذا بقيت بيضاء
كأنها تحفظ صورة القلب من الداخل
وتخشى أن تُفصح
منذ ذلك الحين
كلما أُخرجت من الخزانة
شعر كل من يحملها
أنّه يتلاشى للحظة
كأنه أصبح ظلًا… بلا اسم
(25)
في قاع صندوق صغير
تربض قطعة نقدية نحاسية
مطموسة المعالم
كأنها انتظرت قرونًا كي تُطرَق… ولم يُطرق وجهها
المرأة التي احتفظت بها
لم تكن تجمع العملات
بل كانت تنتظر اللحظة التي تنقش فيها حياتها على شيء
ولو حتى على صدأ
قالت…
“كلنا عملة بوجهين…
لكنني لم أجد بعد من يجرؤ على أن يخط اسمي على المعدن”
وضعت القطعة في الخزانة
وتركتها هناك…
ربما لأن الحقائق
تحتاج لمن يسكبها… لا لمن يحملها
ومنذ ذلك اليوم
كلما لامسها أحد
شعر أن يده تثقل
كأنها صارت شاهدة على شيء لم يُخلق بعد
(26)
في ركن معتم
وُجدت علبة دواء قديمة
داخلها قلب صغير…
مطويّ بورقة شفافة
عليها رسم غامض لقلبٍ مفتوح على نصفه
المرأة التي وضعته هناك
لم تكن مريضة
ولا كانت تلعب بالأوراق
بل كتبت مرةً على ظهر القلب
“هذا وجعي… لا دواء له، فحفظته هنا”
ولأنها علبة دواء
ظنّ البعض أن ما بداخلها سيشفى مع الوقت
لكن القلب ظلّ هناك
لا ينبض.. لا يذبل… لا ينسى
وكلما رجّ أحدهم العلبة
يصدر منها صوت خفيف
كأنه خفقةٌ محبوسة…
ترفض أن تخفت
(27)
في مساء هادئ
لم تهبّ ريح
ولم يفتح أحد الخزانة
ولا تساقط شيء من رفوفها
لكن الباب… ظل مواربًا
كأنّ الخزانة لم تعد تنتظر ريحًا تزيحها
ولا امرأة تعود
ولا يدًا تنبش ما بقي
بل صارت هي الباب
بابًا يُبقي الحكايات عالقة بين الفتح والنسيان
كل ما خبّأته يومًا
لم يكن لها
ولا لامرأة رحلت
ولا ليد مرتجفة
بل لنا…
نحن الذين فتحناها بالحرف
وأغلقناها بالدهشة
ولأن بعض الأبواب لا تنغلق
بعض الذكريات لا تنتهي
وبعض النساء… لا يُنسين
ستظل خزانة الريح مفتوحة
لكل من مرّ بها
ليترك وجعه
أو يلتقط نسيانه
أو ليهمس لها…
“أنا أيضًا… كنت هناك !!










