تُعدّ التجربة الشخصية أحياناً نافذةً نطلّ منها على قضايا أوسع وأكثر عمقاً في مجتمعنا. وما دفعني اليوم للكتابة هو موقفٌ تكرر، يكشف عن تحديات تواجه جهودنا الثقافية، ويثير تساؤلات حول كيفية صون قيمنا الفنية في ظلّ صخب التريندات.
بدأت القصة بدعوة كريمة تلقيتها من قامة نقدية مرموقة في المسرح المصري، الكاتب الدكتور كمال يونس. كانت الدعوة للمشاركة في تأليف كتاب عن أحد الفنانين المكرّمين في المهرجان القومي للمسرح، وهو الفنان محي إسماعيل، ضمن فعاليات المهرجان. رحبتُ بالفكرة بحماس شديد، فلطالما آمنتُ بالعمل الحرّ والموضوعي، بعيداً عن أي انتماءات أو توجّهات، وهو ما يشاركني فيه الدكتور كمال يونس. اتفقنا على أن يكون الكتاب منهجياً وموضوعياً، وأن يبتعد تماماً عن أسلوب كتب التكريم التقليدية التي تميل إلى التجميل أو التبجيل. كان هدفنا تقديم قراءة وتحليل معمّق لأبعاد شخصية محي إسماعيل وسيكولوجيته كشخص وفنان، بما في ذلك تعقيداتها وخروجها عن المألوف.
من المعتاد أن تُعقد ندوة لمناقشة الكتاب بحضور المؤلفين والفنان المكرّم في المجلس الأعلى للثقافة. تمّت دعوتنا وتحديد الموعد، وذهبنا في الموعد المحدد، لنجد جميع الحضور، ومدير الندوة الفنان مفيد عاشور، ورئيس المهرجان الفنان محمد رياض، في انتظار. لكنّ المفاجأة الصادمة كانت في عدم حضور الفنان محي إسماعيل ندوة تكريمه الخاصة به. انتظرنا جميعًا في حالة من الذهول لمحاولة استيعاب الموقف. كان يعلم الموعد جيداً، ورغم وصول سائق المجلس الأعلى لاصطحابه إلى مقرّ الندوة، إلا أنه جعله ينتظر، وبلا أي اعتذار، أبلغ في موعد الندوة أنه لن يحضر لأنه ذاهب إلى برنامج في قناة MBC.
الحقيقة، تمّ التعامل مع الموقف بإلغاء الندوة، وتلقينا اعتذاراً راقياً من الناقد الأستاذ أحمد خميس المسؤول عن الندوات، وربما لم نتلقَّ اعتذاراً مباشراً من رئيس المهرجان، على الرغم من استيائه الواضح من الموقف الذي وضعنا فيه محي إسماعيل جميعاً. قررنا حينها، أنا ودكتور كمال، أن نغلق هذه الصفحة تماماً، وأننا قمنا بما طُلب منا على أكمل وجه، وانتهى الأمر عند هذا الحد. وعزمنا على ألا نكتب عن هذا الأمر، وظلّ حبيس تلك اللحظة.
لكن ما دفعني للكتابة اليوم هو استمرار الفنان محي إسماعيل في تصريحاته غير اللائقة، وعدم تقديره لأي شيء. فلقد ظهر مؤخراً في برنامج “يحدث في مصر” ليتحدث باستهانة عن المهرجان والتكريم والجائزة. أنا لا أستعجب من موقفه، فمن يقرأ الكتاب الذي ألفناه يرى أنه شخصية تركيبتها تستفز أي باحث للكتابة عن تعقيداتها وخروجها عن المألوف، ربما لكيانها النرجسي أو غير السوي. ولكن ما أريد أن أتحدث عنه هو استمرار الاستهانة بالفكرة والقيمة المقدّمة من فكرة التكريم في مهرجان قومي يحمل اسم بلدنا.
متى ستتعامل إدارة المهرجان مع هذا الأسلوب من عدم الاحترام لنا جميعاً، ولكل من ساهم في هذا الحدث الثقافي؟ هل سيظلون صامتين، تاركين الفنان يستفيد من “تريندات” استهانته بالمهرجان القومي على حساب لقاءاته في البرامج؟ هل سيظل الإعلام يستضيفه لركوب التريند والمساعدة على تشويه أي مجهود يُبذل في الأحداث الثقافية دون اتخاذ موقف حاسم مع المستهينين بالثقافة في مصر؟ إن هذا الصمت، سواء من إدارات المهرجانات أو من المنصات الإعلامية، لا يخدم سوى تآكل قيمة الثقافة والفن في وعي الجمهور. يجب أن يكون هناك موقف واضح وحازم يرسخ مبدأ الاحترام للجهود المبذولة في سبيل الارتقاء بالذوق العام والفن الأصيل.
والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو: هل سيظل التريند هو المتصدر المتربع على عرش كل أحداثنا؟ أم أننا سنستعيد زمام المبادرة ونؤكد على أن القيمة الفنية والأخلاقية هي المعيار الحقيقي للتقدير، وأن المهرجانات القومية ليست مجرد منصات للظهور العابر، بل هي صروح تُبنى عليها مكانة الفن والثقافة في وطننا؟ إن صون هذه القيمة مسؤولية مشتركة تقع على عاتق كل من يهمه أمر الثقافة في مصر.










