ليس كل الراحلين سواء، فبعضهم حين يغيب، يتبدل شكل الوطن، ويختل اتزانه، وكأن عمودًا من أعمدة روحه قد انكسر. رحيل فؤاد باشا سراج الدين لم يكن خبرًا في صفحة وفيات، بل كان زلزالًا في وجدان الأمة.
كان زلزالًا سياسيًا ووطنيًا اهتزت له قلوب الأوفياء، فهو من أولئك الرجال الذين لا تصفهم الكلمات ولا تحتويهم السطور، لأنهم أكبر من اللغة وأعمق من التاريخ.
كان آخر الباشوات، لكن باشويته لم تكن ميراثًا من لقب أو نسب، بل تاجًا وضعته الأيام على رأسه لأنه عاش مرفوع الهامة، شامخ المبدأ، ثابتًا كالجبال في وجه الاحتلال، وفي وجه كل من حاول أن يساوم على شرف هذا الوطن. لم يكن يركض خلف منصب، بل كان المنصب هو الذي يبحث عن قامته. لم يكن سياسيًا يُجيد المساومة، بل وطنيًا يقطع على نفسه العهود ولا يخونها.
هناك لحظات في تاريخ الشعوب، إذا رحل أصحابها، شعرت أن الوطن كله انحنى قليلًا من ثِقل الفقد. التاسع من أغسطس ليس مجرد تاريخ، إنه اليوم الذي ودّعت فيه مصر آخر الرجال الذين لم يبدلوا وجههم تحت أي عاصفة، آخر الباشوات الذين لم تصنعهم الألقاب بل صنعتهم المواقف: فؤاد باشا سراج الدين.
هذا الرجل لم يكن سياسيًا يسير خلف الريح، بل كان الريح نفسها حين تهب في وجه الاحتلال، والعاصفة التي لا ترحم الفساد، والسد الذي يتكسر عليه طوفان التنازلات. عاش للوطن، ودفع ثمن مواقفه من حريته وصحته وراحته، لكنه لم يتزحزح عن مبدأ واحد. من أراد أن يعرف معنى الوطنية، فليقرأ تاريخه؛ لا كأوراق صفراء في كتاب، بل كدماء ساخنة تجري في شرايين مصر.
كنت ولا أزال أؤمن أن السياسة في جوهرها ليست صراعًا على مقعد، بل صراع على روح الوطن. وفؤاد باشا كان من أولئك الذين جعلوا من هذا الصراع ملحمة شرف.
يوم 25 يناير 1952، حين رفض إنذار المحتل، كان يكتب بيده صفحة من أنقى صفحات الكرامة المصرية. لم يكن القرار سهلًا، لكنه كان يعرف أن الكرامة أثمن من العمر نفسه.
وفي عزائه، الذي حضرته وعايشته، كان المشهد أكبر من وداع رجل. كانت القاهرة في ذلك اليوم ترتدي حزنًا شامخًا، يشبه الرجل الذي فقدته. الطريق المؤدي إلى القاعة كان بحرًا من البشر؛ مكتظًا بالوجوه؛ رجال دولة، قيادات حزبية، شيوخ، شباب، وبسطاء من عامة الشعب. وجوه دامعة وصدور مرفوعة، كأنهم يقولون للعالم: هذا رجل لا يرحل إلا جسدًا. رائحة البخور امتزجت بعبق الزهور، وهمسات الدعاء تعالت بين صفوف المعزين. في زاوية من القاعة، رأيت عيونًا تحكي مواقف لم تُروَ، وأيدٍ تتشابك في صمت وكأنها تتعاهد على أن ميراثه لن يضيع. كان العزاء لوحة وطنية حيّة، لا فرق فيها بين صاحب منصب وعابر سبيل، فالجميع كانوا أبناء لرجل واحد هو الوطن.
اليوم، ونحن نعيش زمنًا تتراجع فيه المبادئ أمام إغراء المصالح، أجد نفسي أعود إلى صورة فؤاد باشا كمن يعود إلى بوصلة في بحر هائج. تذكرني أن الزعامة ليست خطبة رنانة ولا وعدًا موسميًا، بل رحلة عمر تُبنى على التضحية، وميراثًا من الصدق لا يشوبه غبار.
فؤاد باشا سراج الدين لم يكن زعيمًا لحزب فقط، بل كان زعيمًا لروح هذا الوطن، حافظًا لذاكرته، ومقاتلًا في معاركه، وصوتًا للحق حين يسكت الجميع. رحل الجسد، لكن الحكاية لم تنتهِ، لأن بعض الرجال لا يموتون، بل يتحولون إلى جزء من هوية الأمة.
في ذكراه، لا أبكيه فقط، بل أتعهد أن أظل وفيًا لذلك المعنى الذي عاش ومات من أجله: أن الوطن أكبر من الكراسي، وأغلى من الأعمار، وأن من يخونه لا يستحق أن يمشي على أرضه.
فيا من تقرأ هذه السطور، تذكّر أن أمثال فؤاد باشا لا يأتون إلا مرة كل قرن… وإذا جاءوا، فعلى الأمة أن تحميهم كما تحمي قلبها، لأن برحيلهم، يفقد الوطن جزءًا من روحه لا يعوضه شيء.










