كتب عادل احمد
عُقدت اليوم الأحد، ١٠ أغسطس ٢٠٢٥، دورة غير عادية لمجلس جامعة الدول العربية على مستوى المندوبين الدائمين، بناءً على طلب دولة فلسطين وتأييد الدول الأعضاء، لمناقشة سبل التحرك العربي والدولي لوقف جريمة الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل، قوة الاحتلال غير القانوني، ضد الشعب الفلسطيني، وخطط وقرارات حكومة الإحتلال الهادفة لفرض السيطرة العسكرية الكاملة على قطاع غزة. وفيما يلي النص الكامل لكلمة السفير مهند العكلوك، المندوب الدائم لدولة فلسطين في الدورة المذكورة.
بسم الله الرحمن الرحيم
لُعنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ. صدق الله العظيم
السيد الرئيس أمجد العضايلة، المندوب الدائم للمملكة الأردنية الهاشمية
سعادة السفير د. سعيد أبو علي، الأمين العام المساعد
أصحاب السعادة رؤساء وأعضاء وفود الدول الأعضاء،
السيدات والسادة الحضور،
شعب عربي يُباد، وتقف المنظومة الدولية ضعيفة عاجزة عن وقف جريمة الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل بوحشية وسادية وغُلوّ في الشر، على مدار 673 يوماً على التوالي. وتقف الإنسانية مشدوهة مصدومة من هول ما تراه في غزة: إسرائيل تستخدم التجويع كسلاح إبادة جماعية ضد أكثر من 2.3 مليون مدني فلسطيني نصفهم من الأطفال، أمام كميرات وأنظار العالم، ولا ترد دول العالم بأكثر من الدعوة والمطالبة والإدانة والاستنكار، هذه العبارات التي لا تنقذ الضحايا الغارقين في مرحلة الوحشية العنصرية، التي تعلو وتتعالى بها إسرائيل على بنيّ آدم.
إسرائيل، قوة الاحتلال والإبادة الجماعية والفصل العنصري، تقضي على قيمنا الإنسانية بل تذبح إنسانية كل العالم، وفلسطين، هي فقط مسرح الجريمة. كل الأحرار وأصحاب الضمائر والمدافعين عن حقوق الإنسان، يشعرون أنهم أصبحوا ضحايا غير مباشرين لجريمة الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني.
لم يُشبع رغبة إسرائيل في سفك الدماء، قتلها وإصابتها أكثر من ربع مليون مدني فلسطيني، منهم 18500 طفل، ولا تجويع أكثر من مئتي إنسان فلسطيني حتى الموت، نصفهم من الأطفال، منعت إسرائيل عنهم الماء والغذاء وحليب الأطفال والمكملات الغذائية وقصفت آبار المياه والمخابز، وأغلقت كل المعابر والمنافذ، وحولت آلية المساعدات الإنسانية المُضللة الإسرائيلية الأمريكية المسماة زوراً “مؤسسة غزة الإنسانية” إلى “مصائد موت” للمجوعين الذين يمشون على آلامهم لنحو 10 كيلومترات، وثم تفتح إسرائيل عليهم النار يومياً، وقد فاق عدد المجوعين الذين قتلتهم إسرائيل في مصائد الموت 1500 جائع فلسطيني. وهل هناك أبشع وأكثر ضلالاً وتضليلاً من أن تُسمى آلة القتل والذل، بإسم الإنسانية.
لم يكفِ إسرائيل كل ذلك الإجرام، حتى قررت فرض السيطرة العسكرية الكاملة على قطاع غزة وترسيخ الاحتلال والاستيطان الإستعماري في الأرض الفلسطينية، وتنفيذ خطة التهجير القسري للشعب الفلسطيني أسوة بنكبة 1948. وقبل ذلك صوت برلمان الاحتلال، والذي هو جزء من منظومة العدوان، لصالح ضم الضفة الغربية المحتلة، وتسميتها زوراً “يهودا والسامرة”، ومنع إقامة دولة فلسطينية فيها.
إن إعلان حكومة الاحتلال السيطرة الكاملة على غزة، لا يُعدّ تحولاً قانونياً في طبيعة الوضع القائم بقدر ما يُعدّ كاشفاً لنية ترسيخ الاستعمار وتهجير الشعب الفلسطيني من أرضه؛ فغزة التي تتعرض للإبادة الجماعية، من منظور القانون الدولي، لا تزال أرضاً محتلة، لأن إسرائيل تفرض سيطرةٍ فعليةٍ على حدودها، ومجالها الجوي، وبحرها، ومعابرها، بل وعلى أدق تفاصيل حياتها المدنية. إن هذا القرار العدواني من حكومة الاحتلال الإسرائيلي إنما يُعبّر عن نيةٍ واضحة لتعميق الاحتلال وترسيخه، ضارباً بعرض الحائط كل القرارات والمطالبات الدولية بإنهائه، بما فيها الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية بتاريخ
19/7/2024 وفي الضفة الغربية المحتلة، تمارس إسرائيل كل يوم القتل والحصار وهدم المنازل وتوسيع الاستيطان الاستعماري، وتدمير مخيمات اللاجئين الفلسطينيين وتهجير أهلها، وتسلط 60 مجموعة ومنظمة إرهابية من المستوطنين الإسرائيليين ضد الشعب الفلسطيني، مجموعات تقتل المواطنين وتنشر الرعب على الطرق، وتحرق المنازل والمركبات ومزارع الزيتون.
وتشهد مدينة القدس المحتلّة تصعيداً غير مسبوق في انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي، واستهدافه للأماكنة المقدسة الإسلامية والمسيحية، حيث يجري اقتحام آلاف المستوطنين للمسجد الأقصى المبارك تحت حماية قوات الاحتلال وبقيادة ما يُسمى بوزير الأمن الداخلي الإسرائيلي، الإرهابي المنبوذ دولياً بن غفير، في انتهاك صارخ للوضع التاريخي والقانوني القائم، ولحرمة المسجد الأقصى المبارك.
أصحاب السعادة،
لقد تحولت إسرائيل، نتيجة الحصانة التي تمتعت بها على مدار ثمانية عقود، من قوة احتلال غير قانوني إلى استعمار استيطاني، وثم إلى نظام فصل عنصري، وثم إلى قوة إبادة جماعية وتطهير عرقي، ولو أن العدالة الدولية تحققت من قبل، لما تجرأت حكومة الاحتلال على ارتكاب جريمة إبادة جماعية متلفزة، ولم نكن لنشهد جريمة تحويل قطاع غزة إلى منطقة تجويع وحصار وأرض محروقة بنسبة تفوق 80%.
وإننا من هذا المنبر، نطلب الحماية للشعب الفلسطيني، ليس رجاءً ولا توسلاً ولا منة، بل حق يوجبه القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة التي أسست لحفظ الأمن والسلام في العالم، واشترطت لعضويتها أن تكون الدول محبة للسلام. ونحمل المجتمع الدولي المسؤولية عن خذلان شعب يتعرض للإبادة والتجويع والتطهير العرقي.
وبموجب القانون الدولي الإنساني، فإننا نطالب 196 دولة طرف في اتفاقية جنيف الرابعة لحماية المدنيين وقت الحرب وفي حالة الاحتلال، بأن تحترم الاتفاقية وتكفل احترامها في جميع الأحوال، كما نصت المادة الأولى من اتفاقيات جنيف الأربعة.
وبموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، فإننا نطالب 153 دولة طرفاً في الاتفاقية أن تفي بالتزاماتها وتقدم الحماية للشعب الفلسطيني، الذي يتعرض للإبادة الجماعية.
وإننا نطالب 125 دولة طرفاً في ميثاق روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، بأن تقدم الحماية للشعب الفلسطيني الذي يتعرض للجرائم التي تقع ضمن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية.
وعلى أساس قرارات القمم العربية التي اعتبرت جرائم إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني، وقضيته المركزية، تهديداً للأمن القومي العربي، فإننا نطالب 22 دول عربية أعضاء في “معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي بين دول الجامعة العربية”، وعملاً بحق الدفاع الشرعي –الفردي والجماعي- أن تبادر حسب نص المادة الثانية من المعاهدة إلى معونة دولة فلسطين والشعب الفلسطيني، الذي ليس فقط يتعرض لاعتداء مسلح، بل لجرائم إبادة جماعية وتطهير عرقي ممنهجة، وندعو الدول العربية بأن تتخذ على الفور منفردة ومجتمعة جميع التدابير وتستخدم جميع ما لديها من وسائل لوقف العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني.
أصحاب السعادة،
لقد رأى العالم أن حكومة وجيش الاحتلال الإسرائيلي يرتكبان ما يشبه جريمة الإبادة الجماعية البشعة التي تعرض لها اليهود بين عامي 1941-1945، لا بل قال البروفيسور نورمان فينكلشتاين، الأستاذ الجامعي اليهودي: إن النازيين كانوا أكثر تحفظاً وخجلاً من إسرائيل.
وأصبح نتنياهو وحكومته عبئاً أخلاقياً ثقيلاً على اليهود حول العالم، حيث قال رئيس ما يُسمى بالحزب الديمقراطي الإسرائيلي يائير غولان، إن “حكومة نتنياهو هي التي تغذي معاداة السامية، وتقوم بتأجيج الكراهية تجاه إسرائيل، وتعريض كل يهودي في العالم للخطر”.
وبعد أن كانت الصهيونية تستخدم معاداة السامية كاتهام ظلم لكل من ينتقد جرائم إسرائيل، بدأت الشعوب بالصحوة من استبداد الإرهاب الفكري الذي يعتبر الدفاع عن أطفال فلسطين معاداة للسامية. ورغم شعورنا بالظلم إلا أن عدالة قضيتنا وبشاعة الجرائم الإسرائيلية جعلت من فلسطين شأناً داخلياً لدى العائلات والطلاب والرياضيين والفنانين والبرلمانيين، وأصبح علم فلسطين رمزاً للحرية والثورة على الاضطهاد. ورغم أن غزة أصبحت جرحاً مؤلماً وكاشفاً لعورات النظام الدولي، إلا أنها من جهة أخرى أصبحت قبلة للأحرار والثائرين على الظلم.
وفي الختام،
أقول لنتنياهو المجرم الفار من العدالة الدولية، إن وهم الانتصار على الشعب الفلسطيني ليس سوى سراباً تلهث خلفه دون جدوى، وإن هزيمة الشعب الفلسطيني، ليست سوى خرافة في رؤوس رفاقك المجرمين أمثلال بن غفير وسموترتش ولصّ التراث عميحاي إلياهو.
كل نفس ذائق الموت، ستموت نتنياهو عاجلاً أو آجلاً، ولكن فلسطين لشعبها حرة عربية أبية، وسيكتب طفل فلسطيني على شاهد قبرك في إحدى مزابل التاريخ، هذا قاتل وليس مقاتل.
واسمحوا لي أن أختم كلمتي بمقطعين لشاعرين عربيين، أوجههما من مقعد فلسطين في جامعة الدول العربية لجيش العدوان الإسرائيلي.
الأول للشاعر السعودي مُهذل الصقور، من مشرق الوطن العربي، حيث قال:
أتَظُنُّ أنكَ عندما أحرَقْتَنِي
ورَقَصْتَ كالشيطانِ فوق رُفاتي
وتَرَكْتَنِي للذَّاِرياتِ تَذُرُّنِي
كُحلاً لعين الشمس في الفلوات
أتظن أنك قد طَمَست هويتي
ومَحَوْتَ تاريخي ومعتقداتي
عبثاً تُحاول … لا فناء لثائرٍ
أنا كالقِيامةِ ذاتَ يومٍ آت
والمقطع الثاني للشاعر التونسي الراحل محمد أولاد أحمد، من مغرب الوطن العربي، حيث قال:
نحب البلاد كما لا يحب البلاد أحد
صباحاً مساءً
وقبل الصباح وبعد المساء
ويومَ الأحد
ولو قتلونا كما قتلونا
ولو حاصرونا كما حاصرونا
ولو جوعونا كما جوعونا
ولو شردونا كما شردونا
لعدنا غزاة لهذا البلد
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته










