أن استمرار تزايد الأسعار يرجع إلى غياب ذلك الدور الرقابي وتراجع سيطرة هذه الجهات على الأوضاع، يجب ضرورة مساعدة الصناعة الوطنية خاصة الشركات المتخصصة في الإنتاج الاستهلاكي سواء من خلال الدعم الحكومي أو فتح الباب أمامها بشكل أوسع للتواجد على الساحة خاصة من نافذة الجمعيات التعاونية، وإلا فإن الخطر يهدد هذه الصناعة إذا استمرت خارج حلبة المنافسة· مطالب بإنشاء شركات حكومية لاستيراد السلع الأساسية يد الحكومة لا تصفق وحدها·· والمستهلك شريك في ضبط الأسعار
إن ارتفاع الوعي لدى المستهلك أقوى على التاجر من الأنظمة والإجراءات المنظمة لتجارته ومراقبة الأسعار! والوعي المقصود هنا، هو توافر القدر الكافي من المعلومات والإلمام والمعرفة لدى المستهلك، بالمتغيرات الاقتصادية من حوله، وبحسن التصرف أمام ارتفاع الأسعار وغلائها، إما بالامتناع عن الشراء في حال فاقت قدرته الشرائية، أو استبدال المنتج أو السلعة أو الخدمة التي ارتفع سعرها دون مبررات مقنعة، ببديل استهلاكي آخر أقل سعرا، وذي جودة لا تبتعد كثيرا عن الأخرى التي حلق سعرها في السماء. ومع ارتفاع الأسعار إلى مستويات لم تشهدها البشرية منذ أكثر من 40 عاما، يجد الكثيرون صعوبة في إدارة الزيادة في تكاليف المعيشة، وهذا لا يقتصر على عالمنا العربي فقط، فقد وجدت دراسة حديثة أجرتها شركة إبسوس أن التضخم هو مصدر القلق الأول في كل دول العالم.
عندما يكون التضخم مرتفعا، فإن إيجاد طرق لتخفيض المصاريف والادخار أمر مهم، ولكن من المهم أيضا زيادة الدخل، من خلال تنويع دخلك ليشمل عملا جانبيا، أو وظيفة بدوام جزئي يمكن أن يساعدك على مواكبة التكاليف المتزايدة حسب ما ذكرت منصة “تايم”.
قم بجرد مهاراتك وممتلكاتك وفكر فيما إذا كانت هناك فرصة لبدء عملك أو نشاطك الجانبي التالي. مثلا، إذا كان لديك غرفة إضافية في منزلك، فيمكنك التفكير في تأجيرها بشكل ما.
كما يمكنك تأجير منزلك أو أجزاء منه في أوقات المواسم، حيث يكثر الطلب على الشقق المفروشة في أثناء الإجازة الصيفية، ويؤجر الكثيرون منازلهم خلال المواسم. أو بإمكانك إذا كنت سائقا ماهرا وتملك سيارة إيجاد عمل آخر عبر توزيع الطلبات، أو التعاقد مع شركة لتوزيع منتجاتها.
إن تنويع مصادر الدخل من خلال الوظائف بدوام جزئي، أو العمل الحر، أو الأعمال الجانبية يمكن أن يوفر شبكة أمان في مواجهة عدم اليقين الاقتصادي. حتى العمل المؤقت أو الموسمي يمكن أن يساعدك في بناء شبكة أمان.
إن الوعي الاستهلاكي المقصود أعلاه هو ذلك الذي ينبئ عن وجود تخطيط مالي مسبق لدى المستهلك، والتزم بقيوده وضوابطه إلى أقصى ما يستطيع، وليس الحديث هنا عن تخطيط مالي بالغ التعقيد، بقدر أنه مجرد تخطيط مبسط على قدر فهم ومستوى تعليم ومعرفة وتجربة ذلك المستهلك، فقد يكون مدونا في بضع أوراق بكتابة اليد، وقد يكون محفوظا في أحد البرامج على جهاز الجوال أو الحاسب الشخصي للمستهلك. وما قدرة اتخاذ القرار الأفضل من ذلك المستهلك أثناء استخدامه أمواله وإنفاقها على الشراء، إلا إحدى نتائج وجود ذلك التخطيط المالي المبسط لديه، وما يطلق عليه اصطلاحا بوعي المستهلك.
يمثل وجود مجتمع استهلاكي مرتفع الوعي، جدارا منيعا أمام ممارسات التلاعب بالأسعار أو الغش والتدليس، التي قد يرتكب جرمها عديد من أرباب التجارة والعاملين لديهم، والعكس صحيح! إذا انخفضت مناعة المستهلكين في هذا الجانب، فقد أصبح ممكنا تمرير كثير من رغبات البائعين، بغض النظر عن مستويات الأسعار والمغالاة فيها، أو جودة المنتجات والسلع المبيعة.
حتى تؤتى ثمار ذلك الوعي الاستهلاكي المنشود لا بد من انتشاره وترسيخه لدى أكبر قدر ممكن من أفراد المجتمع، والعمل المستمر من قبل الأجهزة المعنية كوزارتي التجارة والبلدية وجمعية حماية حقوق المستهلك وغيرها من الجهات ذات العلاقة، على تكثيف رسائل التوعية اللازمة في هذا الشأن، وصولا إلى ترسيخها كعادات استهلاكية يلتزم بها المستهلكون وبدورهم يرسخونها في الأبناء والبنات، ويسهمون في نشرها ومناقشتها في لقاءاتهم ومجالسهم. ذلك أنه لن يكون كافيا ولا مؤثرا أن تكون نسبة ذلك الوعي متدنية، ولن يكون لها الأثر الإيجابي المنشود، بحال كان عدد ونسبة المتساهلين أو الغافلين عن هذا الأمر هو الأكبر والأوسع انتشارا.
ما جدوى أن يمتنع شخص واحد أو حتى عشرة أشخاص عن الاستجابة لرغبات من رفع أسعار سلعة معينة دون أي مبررات مقنعة، في الوقت ذاته تشاهد مئات المستهلكين يتهافتون على الشراء، في غياب تام لأبجديات المستهلك الحصيف والواعي والمسؤول؟!
من هنا يمكن التأكيد أن أي اتساع لظواهر رفع الأسعار والمغالاة فيها دون وجود ما يبررها كأسباب مقنعة، أو المبالغة في رفع الأسعار بأضعاف ما كان مقبولا ومعقولا ومتسقا مع الأسباب الأساسية التي دعت إلى ارتفاع الأسعار، أؤكد أنه يشير في جزء كبير منه إلى تدني الوعي الاستهلاكي، ولأن ذلك التاجر أو التاجر الآخر لا ولم يشاهده، فقد وجد طريقه نحو المبالغة بالأسعار ممهدا فما كان منه إلا الاندفاع فيه، ودون إغفال وجود الأنظمة والرقابة من قبل الأجهزة الإشرافية والرقابية، التي تتولى مسؤولية الحد من تلك الممارسات، وإيقاع العقوبات والجزاءات على المتورطين فيها.
إلا أن الأهم في هذا السياق يظل المتمثل في الوعي الاستهلاكي لعدة أسباب رئيسة، أولها: أن المكاسب المتحققة للبائعين المخالفين والمتورطين في تلك الممارسات، ستأتي أكبر بكثير من مبالغ الغرامات المحتمل إيقاعها عليهم. ثانيها: نتيجة لانخفاض الوعي الاستهلاكي،
وما سيترتب عليه من عدم إبلاغ الأجهزة الرقابية من قبل المستهلكين عن تلك الممارسات المخالفة، فإنه سيشجع الشريحة من التجار المخالفين على المضي قدما في طريق تلك المخالفات، بل قد يشجع حتى التجار المترددين للحاق بركب المتورطين في ممارسات رفع الأسعار دون مبرر، أو المبالغة باستغلال الأسباب التي دعت إلى رفع الأسعار.
يجب أن يتأكد لدى المستهلك أنه خط الدفاع الأول عن أمواله ومدخراته واستقراره المعيشي، ولن يتحمل العواقب الأكبر لأي تهاون منه في هذا الشأن أحد غيره! فلا بد من تحصين نفسه أمام تلك المتغيرات حوله، ويعمل على اختيار ما يلاءم قدرته الشرائية، سواء كانت سلعا أو منتجات استهلاكية، أو أصولا ثابتة أعلى ثمنا، كالمسكن أو السيارة أو أي من السلع المعمرة الأخرى. وتتصاعد الأهمية للمستهلك فيما يتعلق بتلك الأصول الثابتة والسلع المعمرة، التي ستتطلب بكل تأكيد الحاجة إلى الاقتراض من البنوك ومؤسسات التمويل ليحرص المستهلك/المشتري على ألا تتجاوز نسب الاستقطاعات الشهرية المنتظمة لسداد قروضها الاستهلاكية أو العقارية من دخله سقف 35 في المائة على أبعد تقدير، وأن يدرك أنه كلما سمح وقبل بارتفاع نسب الاستقطاع، واجه في المستقبل ظروفا معيشية أكثر صعوبة مما يكابده اليوم.
ختاما: تتحمل جمعيات حقوق المستهلك كثيرا من المسؤوليات في هذا الشأن، ويتضاعف حجم تلك المسؤوليات في مثل الفترات الراهنة التي يشهد خلالها الاقتصاد العالمي بأسره معدلات تضخم لم يسبق لها مثيل طوال نصف قرن مضى، ما يستدعي منها بذل مزيد وكثير جدا من الجهود التوعوية، وأن تظهر مواقف حقيقية وراسخة، يستشعر المستهلك وجودها ودعمها بجانبه، وتبادر بالذهاب إلى مواقع المستهلكين في مختلف الأسواق، ولا تنتظر منهم المجيء إليها.
دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي
ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري
وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا










