الإرهاب الآن هو الهاجس الذي تعيشه جميع الدول ويتخوف منه الأفراد . حتى أصبح جزاءاً من الحياة اليومية ، ولا يكاد يمر يوم دون أن تقع عملية إرهابية في مكان ما من العالم ، وأصبحت أنباء وأخبار الإرهاب تحتل الصدارة في وسائل الإعلام ، وتحظى بجذب إنتباه الناس على اختلاف مستوياتهم الثقافية وميولهم السياسية ومواقع وجودهم على ظهر الأرض . مما لا شك فيه أن الإرهاب الإلكتروني ينفرد بعدد من الخصائص التي يختص بها دون سواه ، ويتميز بها عن غيره من الظواهر الإجرامية الأخرى ، كما يسعى إلى تحقيق جملة من الأهداف والأغراض غير المشروعة .
ورغم أن الإرهاب قديم قدم التاريخ إلا أن الإرهاب في الوقت الحاضر إتخذ بعداً جديداً مثيراً للقلق ، خصوصاً بعد إنتشار التنقية الحديثة بصورة مذهلة بشكل مكن الإرهابيون من تنفيذ عمليات دموية مدمرة بأقل مجهود ودون تمكن الجهات الأمنية من منعهم إبتداءاً أو ضبطهم بعد ذلك .
ولقد كان لظهور شبكة المعلومات ( الإنترنت ) دور كبير في تنفيذ الإرهابيون لعملياتهم المدمرة تلك .
وســـــائـل التـواصـــل الاجتماعــي وتحولات الإرهاب ونشر التطرف
الإرهاب ليس ظاهرة جديدة على العالم، لكن بدأ العصر الحديث للإرهاب في نهاية القرن العشرين وما بعده، ومنذ ذلك الحين بدأت الجماعات الإرهابية والمتطرفة ممارسة أنشطتها بشكل متكرر، وانتشرت العمليات الإرهابية في عديد من الدول، وتجاوزت الحدود الإقليمية، وبعد هجوم الحادي عشر من سبتمبر، بدأ العالم وقادته يدركون تهديدات الإرهاب والتطرف على نحو كبير، علاوة على ذلك، عرف العالم أيضًا أن أعضاء التنظيمات الإرهابية والمتطرفة، يستخدمون تقنيات عالية الدقة والتطور في التخطيط والتنفيذ لعملياتهم الإرهابية. وبعد تشكيل تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا (داعش)، أصبحت التهديدات الإرهابية أكثر خطورة، حيث يتسم هذا التنظيم بدرجة عالية من النظام، ويستخدم تكنولوجيا متقدمة في أنشطته، بما في ذلك منصات الإنترنت المختلفة، ومن خلال منصات التواصل الاجتماعي تقوم الجماعات الإرهابية والمتطرفة بالترويج والدعاية لأفكارها الأيديولوجية، وتجنيد الأعضاء الجدد وتدريبهم، والتواصل مع الأتباع والمؤيدين والجهات المانحة، ولذلك يتم التعامل مع مثل هذه الجماعات باعتبارها إرهابًا “غير تقليدي”، أو يتم توصيفها من خلال مفهوم الإرهاب الجديد.
ويعتبر الإرهاب الجديد New Terrorism شكلًا مستحدثًا من الإرهاب، ويرتبط بعدد من الخصائص الجديدة في معظم جوانبه، مثل: أنه غير مركزي، كما أن الإرهابيين الجدد هم كيانات تنظيمية أقل تماسكًا. وتقليديًا اعتمد الإرهابيون على دعم الدول ورعايتها، أما في الآونة الأخيرة، فيأتي جزء من تمويل الإرهاب من مصادر غير شرعية متعددة؛ مثل: الاحتيال على بطاقات الائتمان، والتبرعات المقدمة من منظمات ودول تدعم الإرهاب لتحقيق مصالحها، وأثرياء لهم أيضا مصالحهم في العمليات الإرهابية. كما أن الإرهاب الجديد لم يعد يقتصر على المنظمات التقليدية، التي تخوض صراعاتها وتنفذ عملياتها داخل دولة معينة، وبدلًا من ذلك أصبحت ساحة قتال الجماعات الإرهابية الجديدة عالمية، كما أن أهداف الإرهاب الجديد أكثر عالمية، وتميل إلى أن تكون عشوائية. والإرهاب الجديد أكثر تعقيدًا، وأكثر صعوبة في التصدي له ومواجهته مقارنة بالإرهاب التقليدي، لقد أصبح الإرهاب الجديد أكثر سيولة، ويقوم على بنية شبكية جديدة تسهلها وتربط بينها تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات، ويمتلك رصيدًا من البشر على استعداد لفعل أي شيء، وأن يتسبب في أشكال موسعة من الدمار والخراب.
ومن الخصائص الأساسية للإرهاب المعاصر والجماعات المتطرفة، والتي تأكدت من خلال العديد من الخبراء والباحثين والتقارير الدولية عن الإرهاب والتطرف، الاستخدام الاحترافي للإنترنت، والقدرات العالية على التلاعب بوسائل الإعلام الجديد. وهناك عدد من الدراسات والمقالات التي أكدت أن الإرهاب استفاد بشكل إيجابي من التقدم الهائل في وسائل الإعلام وتكنولوجيا الاتصالات وتطبيقاتها المختلفة على الإنترنت، وأن هذا التقدم أسهم في تطوير شكل الإرهاب، فالإرهاب اليوم لا يعتمد فقط على وسائل الإعلام التقليدية، كما هو الحال بالنسبة للإرهاب التقليدي، وإنما أيضًا على وسائل الإعلام الجديدة، وكثيرًا ما يتفاعل الإرهاب الجديد مع وسائل الإعلام لنشر الخوف، من خلال نشر أخبار أنشطته وعملياته الإرهابية، وفي هذا الإطار، أشار أحد تقارير الأمم المتحدة إلى أن الإرهابيين لا يهملون وسائل الإعلام الإلكترونية والصحافة عند التخطيط لعملياتهم الإرهابية، فالإرهاب يستهدف الأشخاص الذين يشاهدون العمليات الإرهابية، ويتابعون أخبارها عبر المنصات الإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي المختلفة، بنفس قدر استهدافه للضحايا.
ويضاف لما سبق، أن التهديد الأيديولوجي للتطرف العنيف أصبح مشكلة عالمية لها تداعيات عابرة للحدود؛ فعبر وسائل التواصل الاجتماعي تقوم الجماعات المتطرفة بحملات اتصال مستمرة، تستهدف الضعفاء والمتعاطفين معهم، لحثهم ودفعهم على التطرف وممارسة العنف باسم الأيديولوجيات المتطرفة، ومع هذا التواصل اللامحدود، أصبحت تداعيات حملات الدعاية المتطرفة العنيفة أكثر تعقيدًا وانتشارًا وفتكًا.
لماذا وسائل التواصل الاجتماعي؟
مع تزايد عدد مستخدمي الإنترنت في العالم، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي أداة الاتصال الأكثر تفضيلًا لتقديم وجهات نظر الفرد أو تعليقاته ومشاركة معلوماته، وتقاسُم الكثير من تفاصيل الحياة اليومية مع قائمة أصدقائه، علاوة على ذلك، تقدم وسائل التواصل الاجتماعي الكثير من خيارات الخصوصية للمستخدم، مثل: مجموعة مغلقة، محادثة خاصة، مجموعة مفتوحة، أو صفحة عامة، حيث يمكن للعديد من الأشخاص المختلفين تبادل وجهات النظر والآراء والمناقشات، وهكذا، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي أيضًا، واحدة من أفضل الطرق وأكثرها جاذبية للجماعات الإرهابية وللمنظمات المتطرفة، لنشر الأفكار، وتكوين الأتباع الجدد، والتواصل مع الآخرين بشكل دائم وآمن.
ينطلق الإرهاب بجميع أشكاله وشتى صنوفه من دوافع متعددة ، ويستهدف غايات معينة ، ويتميز الإرهاب الإلكتروني عن غيره من أنواع الإرهاب بالطريقة العصرية المتمثلة في إستخدام الموارد المعلوماتية والوسائل الإلكترونية التي جلبتها حضارة التقنية في عصر المعلومات ، لذا فإن الأنظمة الإلكترونية والبنية التحتية المعلوماتية هي هدف الإرهابين .
لقد زادت الخطورة الإجرامية للجماعات والمنظمات الإرهابية ، فقامت بتوظيف طاقتها للإستفادة من تلك التقنية وإستغلالها في إتمام عملياتها الإجرامية وأغراضها غير المشروعة .
إن خطورة الإرهاب الإلكتروني تزداد في الدول المتقدمة والتي تدار بنيتها التحتية بالحواسيب الآلية والشبكات المعلوماتية ، مما يجعلها هدف سهل المنال ، فبدلاً من إستخدام المتفجرات تستطيع الجماعات الإرهابية من خلال الضغط على لوحة المفاتيح تدمير البنية المعلوماتية ، وتحقيق آثار تدميرية تفوق مثيلتها المستخدم فيها المتفجرات ، حيث يمكن شن هجوم إرهابي لإغلاق المواقع الحيوية وإلحاق الشلل بأنظمة القيادة والسيطرة والإتصالات ، أو قطع شبكات الإتصال بين الوحدات والقيادات المركزية ، أو تعطيل أنظمة الدفاع الجوي ، أو إخراج الصواريخ عن مسارها ، أو التحكم في خطوط الملاحة الجوية والبحرية ، أو إختراق النظام المصرفي وإلحاق الضرر بأعمال البنوك وأسواق المال .
وتأسيساً على ما سبق يمكننا القول بأن الإرهاب الحالي الإلكتروني هو إرهاب المستقبل ، وهو الخطر القادم، نظراً لتعدد أشكاله وتنوع أساليبه ، وإتساع مجال الأهداف التي يمكن من خلال وسائل الإتصالات وتقنية المعلومات مهاجمتها في جو مريح وهادئ ، وبعيد عن الإزعاج والفوضى ، مع توفير قدر كبير من السلامة والأمان للإرهابين .
دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي
ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري
وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا










