من عجائب الطبيعة أن جميع الكائنات الحية تعي بشكل مدهش أحجام أجسامها، وأن أي حشرة أو حيوان أو إنسان يعلم جيدًا حجم جسمه بالقياس إلى أحجام الكائنات الأخرى التي يلقاها في طريقه أو يحتك بها في مسيرة حياته.
فعلى سبيل المثال: الفأر ذو الحجم الصغير يفر هربًا من القط الأكبر حجمًا، والغزالة تثب فرارًا من النمر، حتى الأسد ملك الغابة المهيب يضطر إلى الابتعاد قليلا عن طريق الفيل حتى يمر أكبر كائن على وجه الأرض بسلام دون عواقب.
أما الطفل البشري، فيعلم تمامًا حجم جسمه الضئيل بالقياس إلى جسد والده أو شقيقه الأكبر، لذا يهاب الأب، ويتحاشى الصدام الجسدي مع الأخ.
إن أثمن ما يملكه كل كائن حي هو جسده، وعليه، وفقا لقوانين الغريزة الصارمة، أن يحافظ عليه حيًا سليمًا قدر طاقته. ولعل دراسة عالم الحيوان وما يكتنفه من صراعات محتدمة تجري وقائعها كل لحظة في الغابة تفتح لنا الباب واسعًا لفهم أكثر لسلوك الإنسان، وربما خوفه وخنوعه أو عنفه ووحشيته.
اللافت أن الطفل لا يفضل اللعب واللهو إلا مع طفل يمتلك الحجم نفسه، صحيح أن الصغار يلعبون مع الكبار، لكن بعد أن يكونوا قد اطمأنوا إلى أن (الكبار) لن يستخدموا أحجامهم الضخمة في إيذاء الأجساد الصغيرة للأطفال أو الإضرار بها.
الأمر نفسه يتكرر مع صغار الحيوانات، فأشبال الأسود والفهود والنمور، على سبيل المثال لا تتوقف عن اللهو والمرح مع بعضها بعضًا، فإذا اقتربت من والدها، وأزعجته بصخبها والقفز فوق جسده فزأر في وجهها تهديدًا ولت هاربة نحو الأم التي تجلس قريبًا وتتابع بقلق مصير الابن الشقي.
لا ريب عندي في أن معدل الخوف يتناسب مع حجم الجسد، أي أن كلما كان الجسد أكبر قلت نسبة الخوف التي تعتري صاحبه، وفي المقابل كلما كان الجسد ضئيلا قليلا محدودًا ارتفع معدل الخوف لدى صاحبه،
ومع ذلك، فالطبيعة وهبت كل كائن حي، مهما كان كان حجمه ضئيلا، سلاحًا نوعيًا يواجه به الخصوم والطامعين من أجل حماية هذا الجسد الضئيل.
ذلك أن من مسلمات الطبيعة أن الحيوانات اللاحمة، أي تلك التي تقتات على اللحم تلتهم الحيوانات العاشبة، التي تعيش على تناول الأعشاب والحشائش وأوراق الشجر.
من هنا فإن الذعر الذي ينتاب الغزال إذا لمح أسدًا يؤكد أنه يعي أن مصير جسده في خطر محدق، ومن هنا أيضًا تضطر اللبؤة – زوجة الأسد – إلى حشد رفاقها من اللبؤات لاصطياد ذكر جاموس وزنه يفوق وزن اللبؤة الواحدة بنحو سبعة أضعاف.
المثير أن منظومة الخوف والجسد تظل تعمل دون هوادة طوال حياة كل كائن حي، ولعل المحاولات الدائمة لمقاومة الأمراض التي تهاجم الجسد والشفاء منها هي التي دفعت الإنسان إلى التبحر منذ الأزل في (دراسة) الطب والتزود من علومه لعل وعسى يقضي على الرعب المزلزل الذي يعتريه إذا وجد نفسه أسيرًا لآلام الجسد غير قادر على استرداد عافيته وحيويته.
الطعام أيضأ له علاقة وثيقة بمنظومة الخوف والجسد لدى كل من الإنسان والحيوان والنبات، ذلك أن الطعام هو المصدر الأول لإمداد كل جسم بالطاقة المطلوبة لمواصلة الحياة في أمان قدر المستطاع.
فإذا قل الطعام في الغابة أو صار بعيد المنال ليوم أو اثنين أو ثلاثة اضطرب الجسد واختل التوازن، فصار الرعب من الموت جوعًا رعبًا آخر يحدق بالحيوان الجائع، وأصبح هذا الكائن المسكين نفسه وجبة سهلة لكائن أشرس وأكبر حجمًا.
إن الجوع والخوف أكبر كارثتين تواجه جميع الكائنات الحية، وعلى رأسها الإنسان الذي كرمه الرحمن، إذا قال في كتابه العزيز: (فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف). وكلا الكارثتين، الجوع والخوف، يرتبطان ارتاطا وثيقا بالجسم،
فالجسم هو الذي يجوع ويتعذب، والجسم هو الذي يخاف ويضطرب. هذا الجسم هو الذي يحمل العقل والمشاعر والأحاسيس والنفس والروح. وكلها لن تعمل بكفاءة إلا إذا كان صاحبها يمتلك جسمًا آمنًا.
من هذه الزاوية يمكن القول بيقين كبير إن المهمة الكبرى التي خلق من أجلها كل كائن حي، وفي المقدمة، الإنسان تتمثل في قدرته على الحفاظ على حياته وسط عالم قاس شرس لا يعرف الرحمة.
بمعنى آخر، الحفاظ على جسده، أي أن يوفر لهذا الجسد الطعام المناسب والأمن المطلوب، فلما يحقق هذين المطلبين الرئيسين وينعم بحياة مستقرة آمنة، ينتقل إلى تحقيق المطلب الثالث الذي فرضته قوانين الطبيعة على جميع الكائنات الحية فرضًا، وهو التكاثر، أي التزاوج لإنجاب الأبناء من أجل بقاء النوع واستمراره.
حمانا الله وحماكم من لعنة الجوع ومصيبة الخوف.










