قطع نتنياهو قول كل خطيب، أفصح عن خبيئة قومه ولم يترك مجالا للمراوغة والتأويل، ودفعه الغرور إلى المجاهرة بأنه في مهمة تاريخية وروحية، أي دينية، وأنه متمسك جدا برؤية إسرائيل الكبرى، التي تشمل الأراضي الفلسطينية كلها، ومناطق من الأردن وسوريا ولبنان ومصر، بحسب ما ذكرته صحيفة (تايمز أوف إسرائيل) العبرية واعتبرته أحدث اعتراف رسمي علني بالإستراتيجية التوسعية لإسرائيل، التي كانت تطلب السلام والتطبيع، لكنها تضمر الشر تجاه الدول التي وثقت فيها ووقعت معها اتفاقيات ومعاهدات.
الأمر ليس جديدا على كل حال، والذين تفاجأوا بهذا التصريح الغادر لا يلومون إلا أنفسهم، فلقد استخدم مصطلح (إسرائيل الكبرى) بعد نكسة 1967 على أوسع نطاق للإشارة إلى إسرائيل والمناطق التي احتلتها آنذاك، التي تضم القدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزة وسيناء والجولان، وخريطة (إسرائيل الكبرى) معلقة على أذرع قادة الجيش وصدورهم، ورفعها نتنياهو في أكثر من مناسبة، كان آخرها أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2023 قبيل طوفان الأقصى، ومن أجلها أنشئت منظمة (الحركة من أجل إسرائيل الكبرى) التي انضمت بعد ذلك إلى حزب الليكود وصارت في صميم برنامجه.
ولم ينكر فكرة (إسرائيل الكبرى) إلا بعض الساسة الإسرائيليين المخادعين الكبار، الذين كانوا يسوقون بالكذب صورة إسرائيل داعية السلام، وبعض الموهومين العرب الذين خدعوا أنفسهم وحاولوا أن يخدعونا بخيار السلام، وكذبوا الوثائق التاريخية والتحذيرات الربانية، وصدقوا أن للثعلب دينا، حتى جاء الأحمقان؛ نتنياهو وترامب، وراح كل منهما يكشف أضغانه بالحديث عن “إسرائيل صغيرة الحجم التي يجب أن تتسع وتأخذ حقها بما يتناسب مع قوتها وحجم إنجازاتها”، وإسرائيل “التي تغير وجه الشرق الأوسط، والتي ستخضع لسيطرتها الأمنية كل الدول الممتدة في الشرق الأوسط، بما في ذلك غزة”.
إن حديث نتنياهو عن (إسرائيل الكبرى) يقرع جرس الإنذار لينبه الغافلين إلى حقيقة المشروع الصهيوني التوسعي في وطننا العربي، المشروع الذي يشكل استباحة الدول المجاورة ولا يستثني أحدا، ويعمل على تقويض الأمن والاستقرار في المنطقة بأسرها، ويجسد طبيعة إسرائيل التي لاحدود لأطماعها مثلما لا حدود لخريطتها، وهو مشروع قديم جديد يضطلع به قادة مدربون يؤدون أدوارا تناسب الزمن الذي وجدوا فيه، ابتداء من تيودور هرتزل إلى بنيامين نتنياهو وسموتريتش وبن غفير، مرورا ببن جوريون وجولدا مائير وديان وبيجن وبيريز ورابين وشارون، كلهم أدوا أدوارا تكاملت حتى وصلت إسرائيل إلى المرحلة الحالية، مرحلة الاستكبار وتهديد الجيران، ودق طبول الحرب الشاملة.
لقد وضعنا نتنياهو أمام الحقيقة، فلا عذر لأحد في إنكار ما صار معلوما بالضرورة، وعلينا أن نخوض معركة الوعي بكل بسالة في مواجهة أفيون السلام الذي أرادوا به تخدير أمتنا، وأيضا في مواجهة لعبة تجزئة الصراع التي أريد بها أن يحارب كل شعب معركته منفردا، فتأخذنا إسرائيل فرادى وعلى مراحل مما يسهل مهمتها.
يجب على هذه الأمة أن تستيقظ من سباتها العميق، وتنهي حالة الفرقة والانقسام التي صنعت لها، وتدرك أن عدوها واحد، ومصيرها واحد، فإذا سقطت غزة اليوم لا قدر الله، ونجح نتنياهو وزمرته في ابتلاع الضفة الغربية، فإن أطماع الصهانية لن تتوقف عند فلسطين، بالعكس، سوف تنفتح شهيتهم للتوسع وضم المزيد من الأرض، وسيأتون بنصوص توراتية تثبت لهم شرعية دينية في كل ما تصل إليه أيديهم ورماحهم، وهي شرعية كاذبة خاطئة، دحضها الفيلسوف الفرنسي المسلم روجيه جارودي في كتابه الفخيم (الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية)، وكشف زيفها من خلال أساتذة متخصصين في دراسات الكتاب المقدس، أنكروا ما يعرف بـ “الوعد الإبراهيمي لبني إسرائيل بأن الرب قد منحهم الأرض الممتدة من النيل إلى الفرات”، وأنكر ذلك أيضا اليهود غير الصهاينة في أمريكا الذين تبرأوا من جرائم إسرائيل، وقالوا: “هذه الجرائم ليست باسمنا”.










