في ساعة جزع وقسوة بالغة، أمسك بالفأس وقرر أن يبتر ذراعه ،فقد أقلقت راحته لسنوات طويلة ،تشكو الهرش، وقد أعياه اسكاتها ،جرب طرقا عديدة لتتوقف عن تعكير صفو حياته ،جرب أن يجاريها ويحكها بأظافر كفه الثانية، لكنه أدماها فراحت تنزف ،جرب أن يكمم جلدها بلفافات الضماد ليتخلص من قرفها، فلم يفلح الأمر .
صبر عليها ،تحمل شكواها ،لكن الصبر مُر ،والرجل لاطاقة له بمزيد من الإنهاك والاستمرار في العيش برفقة ذراع شرها يفوق خيرها بأطنان .
وقبل لحظات من رفعه للفأس ليهوي به بكل غضبه المكنون داخل صدره وبقرار لارجعة فيه ليبتر تلك الذراع الملعونة ،فالحياة بذراع واحدة أرحم ألف مرة مما كابده لزمن طال وفاض عن حده ،في تلك اللحظات وقبيل ذبحها بثوان قليلة لمح دمعات تسيل من نهايات الأنامل ،فذراعه اللعينة تبكي ،لاتريد فراقه ،تجمدت الفأس في كفه ،نظر بطرف عينه للدمعات ،للخدوش ،للندوب على ذراعه التي لم تجلب له سوى الهم والنكد ،تمهل في قطعها دون أن يفهم سبب لتراجعه ،فقلبه يغلي غضبا منها،وعقله يأمره بأن ينتهي من تاريخ مأساته الطويل معها .
جالت حيرة لايفهم كنهها على محياه ،فوضع الفأس جانبا ،توقف ليفكر كيف سيخرج من هذه الورطة ، فضربة واحدة بالفأس ستجعله متحررا خفيفا يطير كما ريشة لايثقلها وزن ولايقيدها حنين ، لكن كيف ؟ ،فكر ،ترى هل سأندم لو فعلت ؟، لكنها ذراع مريضة ممسوخة تهرشني طوال الوقت ولاتترك لي ساعة سلام واحدة !
بعد تفكير طال زمنه ، توصل لقرار حكيم ،سيريحه في أيامه القادمات ، فهو لن يبتر ذراعه ولكنه سيعيش وكأنها غير موجودة ،كأنه لايعرفها ،أو لم تلتصق بجسده يوما ،هكذا سيتناسى إن له ذراعا تتدلى من أحدى كتفيه ،وسيكمل طريقه بذراع واحدة ،تلك التي لم تقض مضجعه يوما، فهي سليمة لا تشكو هرشا ولاندوبا .
سرت حماسة قراره الحكيم كشرارة داخل جسده ،شعر بالخفة ،سار نحو الباب ،فتح مقبضه بكف ذراعه الوحيد ،فهو الآن لاعلاقة تربطه بتلك المسخ المعلقة في كتفه ،كانت يوما تعود له ،والآن هي شيء قرر ألا يشعر حتى بثقله ،انسلخ من ذراعه ذات الهرش إلى الأبد.
عقارب الساعة لم تتوقف عن الدوران ،الأيام تمر ،الشهور تطفو بخفة كزوارق من ورق على سطح بحيرة حياته الصافية من الهرش .
لكنه كلما أراد أن يمسح قطيرات العرق التي تتصفد على جبينه حين يكون محموما أو متعبا، يحاول مد كف ذراعه الوحيد فتقابله الكف باللامبالاة ولاتتحرك قيد أنملة .
كلما أراد أن يحلق ذقنه ،لايجد ذراعه العزيز والوحيد ، فهو في غفوة دائمة ،متدل من كتفه لكنه لا يأبه به ،منفصل عنه مجاف له ،ذراع لايحمل مجسات إحساس على جلده ،متبلد ، حتى نهايات اعصابه الحسية معطلة.
الأيام تمضي ، فجر ينبلج وليل يغمض جفني النهار ، راحت ذكريات قديمة تجول أمام عينيه ،لذراع تشكو الهرش تبرأ منها منذ زمن ،نسي أمرها،لاحت له ذكرى ترشح حنينا ،قفز قلبه وفز داخل صدره،فتلك الذراع كانت كفها هي من تمسح جبينه بماء الورد دون أن يطلب منها هو ،كانت تدور اناملها على جفنيه ووجنتيه تمسحهما بحنان ،تمسد على شعره كما تمسد كف والدة رأس رضيعها .
تذكر كم كان يعاقبها بالخدش حتى تسيل دمائها جزاء على هرشها الذي يسهد ليله ويفسد عليه صباحاته .
فجأة ومضت في صفحة ذاكرته نصيحة صديقه التي انفجر ضاحكا منها يوم قال له :
ياصاحبي ذراعك هذه لاتحتاج منك سوى أن تضمها إلى صدرك لتشعر بدفئك فتطمئن وتهدأ
هي تريد منك عطفك واحتضانك وأنت تدميها بقسوتك فيشتعل هرشها ولا ينطفئ
اعادت تلك الومضة النار في فحمه البارد فاشعلته من جديد ،ارتعد جسده من سريان ملح الشوق في عروقه ،خنقته غصة تكسرت فيها عبراته .
نظر الى ذراعه التي هجرها منذ زمن توقف عن حساب أيامه ،همس لها ، حاول أن يحركها ، صرخ بأعلى صوته ،تحركي ،ارجوك عودي كما كنت ،ارتفعي وضعي كفك على وجهي وامسحي عني ماعلق بي من غبار ، فقد اضعت الطريق بعدك ولم أعد ابصر بعدما تجمدت مقلتاي من برد الوحدة ،تعالي إلى هنا ،سأضع كفك على صدري ، سأحتضنك واغسلك بماء الورد كل ليلة ، فقط عودي ذراعي التي اعرف كما كنتِ .
فتح عينيه على اتساعهما وهو لايكاد يرمش من هول الخيبة ،فقد ماتت الذراع بعد ان بترها الهجر ومزقتها القسوة ،فتلك الذراع التي لم يقطعها يومها بالفأس قتلها بالتناسي .
فالوقت هو كل ما نحتاجه لنخمد نبضا ونفقد حبا صادقا .










