قصة قصيرة..
في محطة الحافلات المركزية بالعاصمة .. جلست دينا فوزي الصحفية الاستقصائية .. على المقعد الخشبي تنتظر الرحلة الليلية المتجهة إلى مدينة وادي الغروب، وهي بلدة نائية لم يزرها أحد من قبلها داخل الجريدة.
كانت المهمة غامضة .. إذ وصل إلى بريدها الإلكتروني ملف صوتي يقول بصوت مبحوح: إذا أردت الحقيقة أركبي الرحلة رقم 125 واجلسي على الكرسي رقم 9 .. لا تسألي عن شيء .. فقط استمعي لما يحدث حولك.
استقلت الحافلة وكانت شبه فارغة، والسائق رجل مسن، لم يتبادل الحديث مع أحد.
لاحظت دينا أن كل المقاعد مرقمة بوضوح .. عدا المقعد رقم (9) .. كان محفورًا يدويًا على الخشب .. بخط غير منتظم .. وكأن أحدهم نقشه بأداة حادة.
جلست .. وما أن تحركت الحافلة .. حتى شعرت بدوار خفيف .. وكأنها تمر عبر ضباب كثيف لا يُرى من الخارج … ثم بدأت تلاحظ أمرًا عجيبًا .. وهو أن الركاب لا يتكلمون … لا تبادل حديث .. لا هاتف .. لا همسات .. ولكن فقط .. صمت …. صمت مريب ….
من خلفها جلس رجل على المقعد دون حتى أن تراه وهو يدخل …
قررت دينا أن تكسر ذلك الصمت .. فالتفتت وهي تسأل الرجل: معذرة .. هل تعرف متى نصل إلى وادي الغروب؟!
انتظرت أن يجيبها، ولكن دون جدوى … هو لم يرد …
عاودت سؤاله بصوت أعلى …
وحينها أجابها بصوت خافت وثقيل قائلًا: نحن نصل فقط إن أراد هو.
عادت لتسأله هذه المرة .. ولكن باستعجاب: ماذا تقصد؟ ومن هو؟!!
أجابها بامتعاض: السائق لا يقود … هو فقط ينتظر أن تختاري.
عند نطقه بالعبارة .. توترت .. ارتبكت .. واستدارت لتحدق في الرجل .. لكنها لم تر وجهه .. فقط ظل .. كأن ملامحه مغطاة بطبقة دخانية ..
عادت بنظرها إلى الأمام .. ونظرت إلى السائق .. ولكنه …. لم يكن ينظر إلى الطريق … عيناه كانت مغلقتين…..!!!!
عند منتصف الطريق .. توقفت الحافلة فجأة .. وكانت في منتصف الصحراء … فتح أحد الركاب باب الحافلة ونزل … دون أن يتحدث …
نهضت دينا تنظر عبر النافذة .. ولكنها لم تجد الرجل يظهر في أي اتجاه .. وكأنه ذاب في الظلام..
وفجأة … ارتفع صوت غريب عبر مكبر الحافلة الداخلي .. كان صوت نسائي .. ولكنه بدا مألوفًا لها … “دينا .. توقفي عن البحث .. ما ستجدينه ليس خيرًا … بل … حياتك الأخرى”
حاولت استيعاب الأمر .. حاولت أن تفهم .. ولكن في حينها شعرت بيد وضعت على كتفها من الخلف .. سرت بجسدها قشعريرة، فاستدارت مفزوعة .. وعند التفاتتها رأت رجل يرتدي معطفًا أسود .. يحمل دفترًا .. وجه حديثه إليها وهو يمد إليها يده ويقول: إن أردت أن تتذكري خذي هذا ..
وناولها الدفتر … ثم عاد إلى مقعده…!!!
فتحت الدفتر .. وراحت تطلع على فحواه .. فوجدت صفحات مكتوبة بخط يدها .. مذكرات .. مؤرخة من تسع سنوات .. تتحدث عن امرأة تدعى (يُمنى) اختفت بعد تحقيق صحفي خطير.
وكانت الصدمة أن (يمنى) كانت هي … بكل صورتها وتفاصيلها.
لكنها لا تتذكر شيئًا عن ذلك .. كانت قد تعرضت لحادث آنذاك .. أفقدها جزءً من ذاكرتها .. وأخبرها الجميع أن لا شيء مهم قد فُقد .. ولكنهم .. كذبوا.
في آخر صفحة من الدفتر كتب “إن وصلت إلى الكرسي رقم (9) فاعلمي أنك جاهزة لتسمعي الحقيقة .. ولكن .. هناك سؤال اجابته مهمة …. هل أنت مستعدة لدفع ثمن الحقيقة ؟!!!”
وصلت الحافلة إلى ما بدا أنه مبنى حجري غامض وسط اللاشيء. نزل الركاب واحدًا تلو الآخر، دون صوت ودخلوا المبنى. ترددت دينا في الدخول، لكن الرجل الذي أعطاها الدفتر عاد إليها وقال لها: من يدخل … يعرف … ومن يهرب …. يعيد القصة من البداية.
سألته: هل هذه طقوس؟ هل هذه طائفة سرية؟
أجابها قائلًا: ليست طقوسًا أو غيرها، بل هذا اعتراف. كل من كتب عن الناس دون أن يعرفهم، عليه أن يعيش قصة واحدة منهم … ثم يقرر …!!
دلفت دينا إلى الداخل، وهناك شاهدت شاشات كثيرة تعرض وجوهًا .. وجوه أناس ماتوا في تقارير صحفية، قضايا اغتيال، مظلومين …
كانت قد كتبت عنهم، لكنها لم تسمع أصواتهم ….
وفجأة …. ظهرت صورتها … ووضع تحتها سؤال “هل حقًا تستحقين أن تحكي حكايتنا؟”
عادت دينا إلى الحافلة، جلست على الكرسي رقم (9) مرة أخرى .. والمقاعد كلها أصبحت فارغة ..
للمرة الأولى يستدير السائق ويفتح عينيه وهو ينظر إليها مباشرة ..
ويوجه سؤاله قائلًا: هل تودين العودة؟ أم البقاء لتكتبي من الداخل؟؟
نظرت إلى النافذة، حيث لم يعد هناك طريق ..
ثم قالت بهدوء: سأبقى.
في اليوم التالي .. نُشر تقرير مجهول على موقع الجريدة بعنوان “الكرسي رقم (9) .. حين تصبح الحقيقة سجنًا مفتوحًا” ولا أحد رآها بعد ذلك .. لقد اختفت … اختفت تمامًا ….!!!
ولكن كل راكب في الرحلة 125 يجد على المقعد رقم (9) ورقة كتب فيها “إذا كنت صحفيًا … لا تجلس هنا … فنحن نراك”.










