الإخبارية وكالات
اقتصاد ألمانيا في حالة ركود، فواتير التقاعد تتزايد، عائدات “السلام” بعد الحرب الباردة استُنزفت، وعدم الاستقرار العالمي يضيف خطراً جديداً يواجه شباب البلاد: الخدمة العسكرية.
يسعى قانون من المقرر أن يُعرض على مجلس الوزراء يوم الأربعاء إلى تعزيز تجنيد الجيش الألماني (البوندسفير) للمساعدة في ردع روسيا والدفاع عن الحلفاء الأوروبيين. سيكون الالتحاق طوعياً في البداية، لكن التشريع يتضمن بنداً يمكن أن يعيد الخدمة العسكرية الإلزامية إذا لم يتم بلوغ الأعداد المطلوبة.
رغم أن الجيش الألماني يُعتبر من الأعلى أجوراً في أوروبا، فإن معدل التجنيد العام الماضي كان أقل من نصف الهدف المحدد لعام 2031. بطء وتيرة الالتحاق ومعدلات التسرب العالية وضعا ضغوطاً على حكومة المستشار فريدريش ميرتس للتحرك، فيما تضيف النقاشات حول الضمانات الأمنية في أوكرانيا — التي قد تشمل في نهاية المطاف قوات الحلفاء — مزيداً من الإلحاح.
بينما يرحب شركاء ألمانيا بإعادة التسلح، تبقى القضية مثيرة للانقسام داخلياً. يرى المؤيدون أن البلاد بحاجة إلى أن تكون مستعدة للدفاع عن نفسها وعن النظام الليبرالي. ومع أن ذلك يتعارض مع تقاليدها السلمية بعد الحرب، إلا أن العقبة الكبرى تكمن في الشباب الذين قد يُطلب منهم المخاطرة بحياتهم.
يثقل كاهل الشباب الألماني تغيّر المناخ والاقتصاد الهش، وهم يُبدون اهتماماً ضئيلاً بالدفاع عن نظام اجتماعي وسياسي لا يخدمهم. ومع تراجع فرص الازدهار التي تمتعت بها الأجيال الأكبر، أصبح من هم دون الخامسة والعشرين أكثر استقطاباً من بقية السكان — إذ صوّتوا في الانتخابات الأخيرة أساساً لأحزاب المعارضة سواء من أقصى اليمين أو أقصى اليسار.
كانت ألمانيا آخر دولة في الاتحاد الأوروبي تُلغي الخدمة الإلزامية عام 2011. ومنذ ذلك الحين، اشتهر الجيش بمعداته الرديئة وتجاوزاته المالية وفضائح مرتبطة باليمين المتطرف. وهذا يجعل التحول أكثر صعوبة.
بالنسبة لكثير من الشباب، الانضمام إلى الجيش يُنظر إليه على أنه تضحية أخرى تفرضها الحكومة. ومع ذلك، فإن الذين ينضمون طوعاً يجدون غالباً استقراراً ومزايا لم يتمكنوا من تحقيقها في أماكن أخرى.
هذا ما ينطبق على “كولين ب.” البالغ من العمر 22 عاماً، طويل القامة وأشقر، الذي انضم إلى البوندسفير في مارس بعد أن شعر بعدم الرضا عن دخله في الشركة السابقة التي عمل بها عقب إتمام تدريبه المهني في الإدارة. قال:
“إنه صاحب عمل مستقر براتب جيد. لا يمكنك أن تخطئ كثيراً معه.”
وظيفته في متابعة جداول زملائه في مراقبة الطيران تشبه أي وظيفة مكتبية أخرى باستثناء الزي العسكري المموه — مع امتيازات مثل المرافق الرياضية الواسعة، والإقامة والطعام والمواصلات العامة المجانية.
يقدم الجيش الألماني بالفعل ظروفاً سخية، وسيزداد راتب المجندين الجدد بمقدار الثلث ليصل إلى أكثر من 2300 يورو (2700 دولار) شهرياً بموجب القانون الجديد. وحتى قبل هذه الزيادة، كان صافي الراتب غالباً يزيد بأكثر من ضعف ما يمكن أن يكسبه الشباب في برامج التدريب المهني مثل الذي أكمله كولين.
لكن رغم هذه الحوافز المالية — وحملات الترويج الواسعة — لا يزال البوندسفير خياراً غير شائع. ورغم أن التجنيد سيرتفع بنسبة 50% هذا العام ليصل إلى 15 ألف متطوع، فإن الهدف هو 40 ألفاً — ما يعني أن تحقيق هذا العدد سيكلف 24 مليون يورو إضافية شهرياً للرواتب وحدها.
يبقى الشك قائماً. إذ أظهر استطلاع رأي أجرته مؤسسة “فورسا” في أغسطس أن نسبة من يقولون إنهم سيدافعون عن ألمانيا بالتأكيد إذا تعرضت لهجوم تبلغ 16% فقط. وبالمقاييس العالمية، يُعتبر الألمان من أقل الشعوب استعداداً للقتال من أجل بلادهم، وفقاً لاستطلاع “غالوب” عام 2024.
القانون الجديد، الذي سيدخل حيز التنفيذ في يناير إذا أقره البرلمان، يهدف إلى تغيير ذلك من خلال إلزام الرجال عند بلوغهم 18 عاماً بملء استبيان حول صحتهم ومهاراتهم واستعدادهم للخدمة. الهدف هو دفعهم للتفاعل مع البوندسفير وفكرة التجنيد.
ابتداءً من يوليو 2027، ستشمل العملية فحصاً طبياً إلزامياً. كما يحتوي مشروع القانون على بند يسمح بفرض التجنيد الإلزامي إذا لم تتحقق أهداف الاستقطاب — بشرط موافقة البرلمان.
يتفق المؤيدون والمعارضون للتشريع على أن بلوغ أهداف التجنيد — التي تهدف إلى زيادة حجم القوات بنسبة 75% ليصل إلى 460 ألف جندي — أمر غير مرجح. لكن أنصار الجيش الأقوى يجادلون بأن ألمانيا لا تستطيع الانتظار.
قال نوربرت روتغن، السياسي في حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي وعضو لجنة الشؤون الخارجية في البوندستاغ، في رد مكتوب على أسئلة بلومبيرغ:
“إذا لم نفرض الخدمة الإلزامية إلا في حال حدوث أزمة عسكرية متصاعدة، فإنها تفقد جدواها كوسيلة ردع.”
في المقابل، يرى المعارضون أن الحكومة قد ذهبت بعيداً بالفعل. وقال إنغار سُلتي، الباحث البارز في مؤسسة روزا لوكسمبورغ المرتبطة بحزب اليسار المناهض للعسكرة:
“نتحدث كثيراً عن أشخاص كانوا مسالمين وأدركوا لاحقاً أهمية الجيش، لكننا لا نتحدث إطلاقاً عن الذين يريدون الانسحاب الآن لأنهم خائفون.”
الخدمة الإلزامية ستكون أيضاً مكلفة للاقتصاد الألماني. إذ قدّر معهد “إيفو” أن كلفتها ستبلغ 70 مليار يورو إذا أصبحت إلزامية للجميع، وذلك بسبب خسائر الدخل الناتجة عن دخول الشباب إلى سوق العمل في وقت متأخر.
حاول الجيش الألماني استراتيجيات دعائية متنوعة لزيادة الاهتمام، تراوحت بين سلسلة ويب عن الحياة اليومية للمجندين، والمشاركة في أكبر معرض للياقة البدنية في العالم في كولونيا، والإعلانات على أكياس المخابز.
لكن أياً من هذه المبادرات لم ينجح في تجاوز الانقسامات العميقة في المجتمع الألماني. فقد هزّت البلاد سلسلة أزمات، من الجائحة والهجرة إلى الركود وعدم المساواة، ما أضعف التزامها بالديمقراطية وبالتالي استعدادها للدفاع عنها، وأفسح المجال لصعود القومية العرقية والميل إلى السلطوية.
قال نيكلاس شورنغ، الباحث البارز في معهد بحوث السلام في فرانكفورت:
“الديمقراطية كمفهوم ليست شعبية الآن بقدر ما ينبغي أن تكون.”
في الانتخابات الوطنية لهذا العام، صوّت أكثر من واحد من كل خمسة شبان دون 25 عاماً لحزب “البديل من أجل ألمانيا” اليميني المتطرف، الذي صنفته أجهزة الاستخبارات الداخلية الألمانية كحزب متطرف.
لكن على عكس كثير من أقرانه، يؤمن كولين ب. بخدمة بلاده ويُقدّر الاستقرار والمزايا التي توفرها الحياة العسكرية. وقال:
“لدينا الكثير. لا أعتقد أنك تستطيع أن تطلب أكثر من ذلك.”
ورغم أن 24% من المتطوعين انسحبوا العام الماضي — وسط انتقادات متزايدة تتعلق بالملل وسوء الإدارة — فإن كولين يخطط للبقاء بعد انتهاء خدمته الأولية. وأضاف:
“هنا أشعر وكأنه منزل ثانٍ.”










