أطلقت إدارة ترامب في الأيام الأخيرة تحقيقات أمنية جديدة تطول قطاع توربينات الرياح والأثاث المستورد، في حين هدّد الرئيس على منصات التواصل الاجتماعي بالرد على أي دولة تطبّق ضرائب رقمية ضد شركات أميركية.
إلى جانب ذلك، يواجه الأساس القانوني لرسوم “يوم التحرير” التي أعلنها ترامب في وقت سابق تحديات قضائية، مع اقتراب نظر محكمة الاستئناف ثم المحكمة العليا في شرعية الصلاحيات التي استند إليها الرئيس.
أن أداة مكافحة الإكراه الاقتصادي التي كانت معدة لمواجهة الصين، قد تصبح وسيلة لمواجهة الضغوط الأميركية، إذا توافرت الإرادة السياسية الأوروبية لاستخدامها. أن المفوضية لا تمتلك صلاحية فرض مشتريات طاقة أو توجيه الاستثمارات نحو الولايات المتحدة. ومع ذلك، أشار إلى أن عدة شركات أوروبية –مثل سي إم إيه وسي جيم إم، الفرنسية– أعلنت فعلا عن استثمارات ضخمة في السوق الأميركية، ربما تفاديًا للضرائب أو استغلالًا للحوافز التي قدّمها ترامب، وقبله بايدن.
أنهى الرئيس الأميركي دونالد ترامب حالة الغموض التي أحاطت بمصير هدنة الرسوم الجمركية بين الولايات المتحدة والصين، بعد توقيعه أمراً تنفيذياً بتمديدها 90 يوماً إضافية، بحسب تقرير نشرته شبكة “سي إن بي سي”
وتخضع حالياً الشحنات الصينية المتجهة إلى الولايات المتحدة لرسوم بنسبة 30 بالمئة، تشمل رسوماً أساسية 10 بالمئة وأخرى متعلقة بالفنتانيل بنسبة 20 بالمئة فرضتها واشنطن مطلع العام، فيما خفضت بكين الرسوم الجمركية على الواردات الأميركية إلى 10 بالمئة.
تدرك بكين نقاط قوتها في المفاوضات، وأبرزها هيمنتها على سوق المعادن النادرة. وأشار التقرير إلى أن الصين خففت مؤخراً قيود التصدير، وأن صادراتها العالمية من هذه المعادن ارتفعت في يونيو قبل أن تنخفض في يوليو، مع تعويض تراجع الصادرات إلى الولايات المتحدة بزيادة المبيعات إلى دول جنوب شرق آسيا، ما يثير تساؤلات حول “إعادة الشحن” لتفادي الرسوم.
وسجل النصف الأول من عام 2025 نموًا يعادل نصف وتيرة الفترة نفسها من 2024، وهو ما يثير مخاوف من دخول الاقتصاد في مرحلة تباطؤ ممتد. ورغم أن بعض المستثمرين فسّروا هذه الأرقام على أنها مبرر لخفض أسعار الفائدة في سبتمبر/أيلول المقبل، فإن التحديات الهيكلية تبدو أعمق.
أن الخريف المقبل قد يكون حاسمًا في تحديد مستقبل حروب ترامب التجارية. فمع تصاعد غضب قادة دول مثل الهند والبرازيل من السياسة الجمركية الأميركية، يبرز تساؤل حول ما إذا كانت دول بريكس ستسعى لتسريع خطواتها في تقليص الاعتماد على أميركا. في مسعاه لفرض هيمنته التجارية على العالم، نجح الرئيس ترامب جزئياً عبر عقد صفقات ثنائية مع أطرافٍ كالاتِّحاد الأوروبي وبريطانيا واليابان وفيتنام وكوريا الجنوبية، لكن أحلامه الطموحة تحطَّمت على صخرة الواقع، حين فشل في تحقيق وعده الشهير “90 اتِّفاقية خلال 90 يوماً”. فبعد مرور 120 يوماً بعد “يوم التحرير”، لم تُبرم إدارته سوى ثمانية اتّفاقات بشكل يتناقض مع أهدافه المُعلنة. وقد تجلّى هذا الإخفاق جلياً مع دولٍ ككندا والبرازيل والمكسيك وتايوان والهند،
حيث قابل ترامب تردُّدها بفرض رسوم جمركية صادمة. أمّا على الجانب الصيني، فقد أسدل الطرفان الستار مؤقَّتاً على حربهما التجارية بهدنة هشّة شملت تعليقاً جزئياً للرسوم وتأجيلاً لبعضها، بينما ظلَّت أخرى سارية المفعول.
ولم يُخفِ ترامب تردُّده في تمديد هذه الهدنة بعد انتهائها المُقرَّر في 12 أغسطس الحالي، تاركاً باب الاحتمالات مفتوحاً بين تفعيل الرسوم الهائلة أو استئناف المفاوضات. ورغم غياب بكين عن المشهد الأخير، فإنّها تظلّ المتغيِّر الأصعب في معادلة ترامب، الأمر الذي أكَّدته جولات المفاوضات المُكثَّفة خلال الفترة الأخيرة من جنيف في مايو/ أيّار إلى لندن في يونيو/ حزيران الماضيين، وانتهاءً بجولة استوكهولم الأخيرة.
والأخطر أنّ تهوُّر هذه السياسات قد يشوِّش بوصلات البنوك المركزية، ويجعلها عاجزة عن التوفيق بين كبح التضخُّم ودعم النمو، الأمر الذي قد يدفع اقتصادات كبرى إلى حافة الركود. من غير المستبعد أن تدفع المنطقة العربية ثمناً غير مباشر لحروب ترامب التجارية التي تُنهك سلاسل التوريد وتُلهب تكاليف النقل، وتفاقم تقلُّب أسعار السلع الأساسية، وتعيد رسم خريطة الاستثمار العالمي.
فبعد أن فرضت إدارة ترامب رسوماً جمركية على دول عربية، تراوحت بين 15% للأردن، و25% لتونس، و30% للجزائر وليبيا، و35% للعراق، و41% لسورية، تواجه الأسواق الناشئة، وعلى رأسها مصر، خطر انكماش تدفُّقات الاستثمارات قصيرة ومتوسّطة الأجل، وهي شريانٌ حيوي لتعزيز احتياطاتها النقدية وتمويل العجز.
لا تقتصر هذه التبعات على تقلُّبات الأسعار فحسب، بل تمتدّ لتهديد الاستقرار المالي الإقليمي ككلّ، في مشهدٍ يُحوِّل السياسات التجارية إلى قوّة تدميرية تضعف نسيج الاقتصادات الهشّة. خلاصة القول، تدلّ الرسوم الجمركية، التي باتت سيفاً مسلَّطاً على رقاب حلفاء الولايات المتّحدة ككندا والهند رغم طاولات المفاوضات، على تمسُّك ترامب بالنهج الجديد الذي يحوِّل التجارة إلى سلاح دائم لإملاء شروط الهيمنة. إنّها مراجعة جذرية للنظام العالمي تُصاغ بمفردات المصلحة الأميركية الخالصة،
حيث تذوب قواعد الاقتصاد في بوتقة السياسة، فتمزج بين المصلحة الوطنية والرهانات الانتخابية والمشاريع الجيوسياسية. لذلك ينبغي على الدول النامية، ولا سيَّما العربية منها، أن تتجاوز مجرَّد التكيّف مع هذه العاصفة، وتتَّجه نحو تشذيب استراتيجياتها بذكاء ودهاء، من خلال تنويع الشراكات، وتعزيز الإنتاج المحليّ، وصياغة تحالفات إقليمية تفاوضية تصمد أمام الأعاصير القادمة. بينما اعتبر البعض أن قرار ترامب يمثل تراجعًا عن سياسة “التعريفات العقابية”، رأت شبكة “سي إن إن” أنه مجرد انسحاب استراتيجي من حرب تجارية متعددة الجبهات، بهدف التركيز على الصراع مع الصين.
وأضافت الشبكة أن الرئيس الأميركي يدخل حرباً مع الصين قد لا يفوز بها في نهاية المطاف، وأنه يطفئ ويشعل نار التجارة في وقت قصير جديد بإعطاء هدنة جمركية للعالم، وإلقاء قنبلة تجارية على الصين.
اقرأ أيضاً: ارتفاع كبير في أسهم بورصة وول ستريت بعد تأجيل الرسوم الجمركية
كما يأتي القرار بعد أيام من الخسائر في البورصات الأمريكية، وتحذيرات من أن استمرار التصعيد قد يدفع الاقتصاد الأمريكي إلى ركود حاد. ورجحت الشبكة أن يكون ترامب قد حاول حفظ ماء وجهه سياسيًا، عبر إبقاء الصين وحدها في مرمى النيران، بعد تخفيف الضغط على الحلفاء. في نهاية المطاف، لا شك أن ترامب يحاول إعادة ضبط قواعد اللعبة التجارية العالمية، لكن تحييد الحلفاء واستهداف الصين وحدها، يُعدّ رهانًا محفوفًا بالمخاطر، خصوصًا في ظل ترابط الاقتصاد العالمي، وتقلّب المزاج الاستثماري العالمي.
وتترقب الأسواق الخطوة التالية، بينما يواصل الرئيس الأميركي تحديه للصين. فهل نشهد تسوية مرتقبة؟ أم مزيدًا من التصعيد الذي قد يُشعل أزمة اقتصادية شاملة؟
اليوم، وأمام تصاعد هذه المخاطر، لا بد لصناع القرار في الولايات المتحدة -خصوصاً مستشاري الرئيس- أن يدركوا حجم الخطر، وأن يتعاطوا بجدية مع الرسائل القادمة من الصين وغيرها. إن التراجع ليس عيباً، بل فضيلة إذا جاء في الوقت المناسب. فالعالم لا يحتمل حرباً تجارية شاملة، والرهان على كسر الصين أو غيرها عبر الرسوم والضغوط قد يرتد على أميركا نفسها. قد تبدو تلك العاصفة الجمركية للبعض شجاعة اقتصادية، غير أنها في واقع الأمر ستكون خطيرة وتكلفتها عالية، والذي سيتحمل ذلك العالم بأسره.–
دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي
ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري
وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا










