(عندما يندمج القناع مع الظل …لحظة الوعي والولادة الثانية)
هناك لحظة محددة في حياة كل انسان عاطفي مُنهَك،
لحظة يتغير فيها كل شيء، قد تكون مكالمة هاتفية لم يُرَد عليها، قد تكون وعدا كُسِر للمرة الألف، قد تكون كلمة قيلت في لحظة لامبالاة تامة.
ولكن الأمر المدهش هو أن هذه اللحظة نفسها قد تكون حدثت مئات المرات من قبل، نفس الإهانة، نفس التجاهل ، نفس عدم الاكتراث ، لكن هذه المرة مختلفة.
فهذه المرة شيء بداخلك صرخ بك… كفى.
عالم النفس كارل يونغ يسمي هذه اللحظة (مواجهة الظل).
إنها اللحظة التي تتوقف فيها عن انكار ماتشعر به حقا، تتوقف عن قمع غضبك، عن اخفاء ألمك ،عن التظاهر بأن كل شيء على مايرام.
في هذه اللحظة ترى نفسك بوضوح مؤلم، ترى كم سنة قضيت في انكار حقك في ان تكون غاضبا، حزينا، او إنكار حقك في أن تقول ( لا) ، تبدأ برؤية كيف علّمت الاخرين أن يعاملوك باقل مما تستحق ، لدرجة أنهم ظنوا ان هذا كل مايجب أن يقدموه لك.
تَرى كيف ضيعت نفسك في محاول انقاذ شخص لايريد أن يتغير ، هذه الرؤية مؤلمة جدا، لكنها ضرورية، لأن الشفاء الحقيقي لايبدأ من موقع الانكار بل من موقع الحقيقة.
لايبدأ من كل شيء على مايرام، بل من كل شيء ليس على مايرام، وأنك تستحق الأفضل .
وفي هذه اللحظة تظهر كل المشاعر التي قمعتها لسنوات، الغضب من كل مرة جُرحت فيها وصمَتْ، الحزن من كل مرة اهملوك فيها وابتسمت، ألم الشعور بالخيبة في كل مرة وثقت فيها بشخص ثم اكتشفت انه لايستحق ثقتك.
لكن الأمر الاكثر إيلاما هو ادراكك كم كنت قاسيا على نفسك في كل مرة اعتقدت إن الخطأ فيك، وانك لو اعطيت اكثر وصبرت اكثر، لأحبوك وقدروك اكثر .
وادراكك أن المشكلة لم تكن فيك بل بقبولك لأقل مماتستحق، وإنك كنت تعتقد أن الحب هو ان تذوب في الآخر لا ان تجده معه.
في لحظة الإدراك هذه، شيء عميق بداخلك سيتكسر ، وفي نفس الوقت شيء آخر سيولد من جديد.
إنها النسخة الجديدة منك، النسخة التي لن تقبل ابدا باقل مما تستحق.
بعد لحظة الوعي تلك، يبدا شيء هادئ يحدث، لكنه عميق لايراه احد، ولايسمعه احد، لكنك تشعر به في كل خلية من خلايا جسدك.
إنه تحول صامت يحدث في اعماق روحك، كأن شخصا بداخلك استقيظ فجاة من نوم عميق امتد لسنوات ، شخص كان مدفونا تحت طبقات من محاولة ارضاء الآخرين، مدفونا تحت الخوف من الوحدة وتحت الاعتقاد الخاطئ في أن قيمته تكمن في عطائه لا في وجوده.
هذا الإستيقاظ ليس صراخا ، ليس غضبا ، او انتقاما، إنه شيء اعمق واكثر قوة.
إنه شيء صافٍ ، وكأن الضباب الذي كان يغشى بصرك قد تبدد فجأة.
كارل يونغ يسمي تلك اللحظة بالولادة الثانية ، عندها ستبدا باتخاذ قرارات صغيرة لم تكن تجرؤ ع اتخاذها، تبدا تقول( لا ) لأشياء كنت تقول لها (نعم)، تبدا بالإستماع لصوتك الداخلي الذي طالما اخرسته.
وأهم شيء على الإطلاق هو انك تبدا تعامل نفسك بنفس اللطف الذي طالما عاملت به الآخرين .
وأن تهتم باحتياجاتك التي كنت تقمعها من اجل احتياجات غيرك، تبدا بمعاملة نفسك كصديق عزيز وليس كعدو يجب معاقبته ع كل نقص .
هذا التغيير الهادئ فيك يخيف الشخص ذو السمات النرجسية اكثر من اي غضب صاخب، لإن الغضب الصاخب لعبته، ويعرف كيف يتعامل معه، فقلب الطاولات لعبته ، كأن يقول لك انك تبالغ ،، انك درامي وحساس اكثر من اللازم، أو يستخدم غضبك ضدك ، القاء اللوم والذنب عليك لهز ثقتك بنفسك، أو التشكيك في قراراتك ومشاعرك ، والقاء الكرة في ملعبك، وتحميلك مسؤولية مشاعره وسلوكياته بدل أن يتحملها هو وهذه آلية دفاع نفسية كلاسيكية معروفة لدى اصحاب السمات النرجسية لأبقائك تحت السيطرة ولإستمرار شعوره بالقوة المستمدة من القناع (الذات المزيفة).
فالنرجسي يتغذى على ردود فعلك العاطفية وانفعالاتك ، على غضبك ،حزنك ، ليبقيك تحت السيطرة في التلاعب النفسي الذي يجيده.
فهو يعلم ان نسختك القديمة كانت تخشى الهجر والوحدة وإنها تفضل البقاء في علاقة مؤذية على اللاعلاقة ، وعلى مايقدمه من فتات على الفراغ او اللاحب، وإنك ترضى دوما باقل مما تستحق.
هو يعتمد على اعتقادك هذا و يغذيه بطرقه في التلاعب النفسي ، احيانا بالتجاهل واحيانا بالإنتقاد واحيانا باعطائك املا كاذبا ثم سحبه منك .
هو يعلم بأنك ستبقى، لأنك تخاف من فكرة البقاء وحيدا اكثر من خوفك من ان تكون مٌستغَلا ، وهذا بالضبط مايُشعره بالسيطرة والأمان في استغلالك لصالحه واهمال احتياجاتك الحقيقية .
فالنرجسي الصريح او حتى من تظهر عليه بعض السلوكيات النرجسية يُقوي القناع لديك ويُجوع الظل .
لكن ما لايتوقعه النرجسي وما لاتتوقعه انت، هو هذا التحول الذي حدث لك ،تلك اللحظة التي لم تعد فيها ذلك الذي تعرفه انت ويعرفه هو ،تلك اللحظة التي تدرك فيها ان الوحدة مع الذات افضل الف مرة من الوحدة مع شخص لايراك اساسا .
هذا الصفاء والهدوء والنسخة الجديدة منك (اتحاد القناع مع الظل ) التي يراها هو الآن ، لايعرف كيف يتعامل معها ، لأنه يعلم انها خرجت عن السيطرة، ولم تعد ترضى بما كانت ترضى به نسختك القديمة.
وخوفه من هذا التغيير هو بداية نهايته . عندها اتعلم ماسيفعله النرجسي ؟!، سيهرب ، نعم سيهرب.
لأن نسختك الجديدة حدث لها مايسميه كارل يونغ الاندماج ..اندماج القناع والظل .. ..هنا انت ستكون بعد اندماج القناع والظل شخصا صادقا مع نفسه واضحا غير انتقاميا ولا قاسيا لكنك واضح في وضع حدودك ثابت في قراراتك واكثر رفقا بنفسك وستتخذ قراراتك بناء على ماتحتاجه انت لا على مايتوقعه الاخرون منك.
ولم تعد كنسختك القديمة التي ترضى بمايرمون لها من فتات ثم تشكرهم عليه، بل الآن صرت تسمع لصوتك الداخلي ومايريد وجسدك ومايطلب وقلبك بدلا من التكيف مع مالست مرتاح له .
هذا التحول فيك يثير ذعر النرجسي لأنه تعود ان يتغذى على حاجتك للحب وخوفك من الوحدة والهجر.
سيحاول اللعب النفسي على وتر الخوف القديم لديك والذي كان يحقق نصرا لصالحه في كل مرة، أو التلاعب العاطفي كإن يقطع وعدا لايعني
أو التلاعب العاطفي كإن يقطع وعدا لايعنيه حقا ، او يلمح باعتذار سطحي يتبعه بنفس سلوكه القديم.
هو لا يعلم انك تغيرت بالفعل ولم تعد تلك الشخصية التي تقايض كرامتها بأمان وهمي ، صرت تعرف قيمتك ولاترضى باقل مما تستحق.
وهذا التحول فيك هو كابوس لكل مُستغِل، لأنه كان يتغذى على حاجتك للحب دون ان يعطي شيئا حقيقيا في المقابل.
والآن بعد ان صار يعلم انك لم تعد نفس الشخص القديم الذي يمثل الجانب المتضرر في المعادلة ومايراه من هدوء وقوة وتغير جوهري لم يعد يخدم ألاعيبه النفسية لإخضاعك او السيطرة عليك او اعادتك لدائرة الاستسلام مكبل بقيود الذنوب الوهمية التي خلعها عليك ..عندما يرى انك خارج دائرته النرجسية . عندها فقط سيهرب ، ويختفي بلاعودة ..










