لله الأمر من قبل ومن بعد..
لم نعد نندهش اليوم من مشاهد النفاق، ولا نستغرب الكذب الذي بات يتسلل إلى تفاصيل حياتنا حتى صار جزءآ من الواقع، وكأن المجتمع بأسره يتساهل معه ويقبله كأمر طبيعي.
لقد أصبحنا نرى من يتلون مع المواقف، يبتسم في وجهك وهو يضمرالعكس، يرفع شعارات المبادئ بينما يتاجر بها خلف الكواليس، حتى أصبحت المصالح الشخصية هي المحرك الأول، ولو جاء ذلك على حساب القيم، أو الدين .
إن أخطر ما نعيشه الآن هو أن النفاق لم يعد سلوكًا فردياً شاذًا، بل تحول في نظر البعض إلى ” مهارة اجتماعية “، والكذب صار ” وسيلة للنجاح “، والتملق بات “مفتاحاً للأبواب المغلقة “. هنا يكمن الخطر الحقيقي، فحين ينهار ميزان الأخلاق، لا يبقى للصدق مكان ولا للحق كلمة مسموعة.
لكن، هل نغفل جميعاً أن كل كلمة ننطقها، وكل فعل نصدره، سيعرض أمامنا يوم الموقف العظيم..؟ يوم لا شفاعة فيه للمصالح، ولا حيلة للكاذبين، ولا مكان للمنافقين. يوم لن ينفع فيه مال ولا جاه، وإنما يجازى المرء بما قدم، ويسأل عما قال وفعل.
صرنا في زمن النفاق فيه عرض يومي، والكذب صار ” شطارة”، والمصالح تحولت إلى “دين جديد” يعبدها البعض بلا حياء. وجوه تبتسم وتصافحك في النهار، وتغرز خنجرها في ظهرك بالليل. كلمات معسولة تقال على الملأ، بينما الحقائق المدفونة أتعس من أن تحكى.
لقد أصبحت المبادئ عند كثيرين مجرد بظراميطه، تباع وتشترى، وترفع ساعة المصلحة وتسقط ساعة الحساب.
لكن فليعلم الجميع أن الكذب لن يظل إلى الأبد، وأن يوماً سيأتي تفضح فيه السرائر، وتعرض فيه الوجوه على خالقها بلا رتوش ولا مساحيق.
يومها سيسأل كل منافق عن نفاقه، وكل كاذب عن كذبه، وكل متاجر بالمصالح عن ثمنه الحقيقي.
إنها صرخة تنبيه قبل أن يغلب الزيف على الحقيقة، وقبل أن تضيع أجيال كاملة وسط هذا المستنقع من التلون والمصالح. فإما أن نعود إلى الحق ونواجه أنفسنا بجرأة، أو نستعد جميعاً لحسابٍ لا يعرف مجاملة ولا ” بظراميطه”.
والتاريخ لا يرحم، والحق لا يموت، واليوم الذي نستهين به قادم لا محالة… فهل من معتبر …؟










