عاد السجال في الفضاء الثقافي والأكاديمي العربي، مرة أخرى، حول النقد الثقافي، عبر منابر عديدة، دوريات وصحف ومؤتمرات وملتقيات ورسائل جامعية، على الرغم من أن بعض النقاد والباحثين الغربيين نفى كونه منهجا نقديا بقدر ما هو مجال نقدي يستعين بأدوات إجرائية متنوعة المصادر، وأنه لم يشتد عوده بعد إذا ما قيس بصرامة المناهج النصية. أما بعض النقاد والباحثين العرب فقد عدّه محض افتتان فئة من أقرانه بممارسة نقدية غربية لم تثبت فعاليتها حتى داخل الثقافات الغربية التي أفرزتها، بل إنه، حسب عبد العزيز حمودة، أحد مظاهر العولمة! متجاهلا أن النقد الأدبي الحديث في الثقافة العربية، بكل مناهجه وتياراته، وليد النقد الأدبي الغربي.
وإذا كانت البدايات التطبيقية للنقد الثقافي، في الفضاء العربي، قد اقتصرت على الشعر القديم والحديث قبل نحو ثلاثة عقود، كما في دراسات الناقد السعودي عبد الله الغذامي، فإنه أخذ يتوسع خلال السنين الأخيرة ليشمل خطابات إبداعية أخرى كالرواية والمسرحية والسينما. وعلى الصعيد الفكري يرى قسم من الباحثين أن الدراسات التحليلية لنظم المعرفة في الثقافة العربية قد شرع بها المفكر المغربي محمد عابد الجابري منذ منتصف ثمانينات القرن الماضي، والتي أفضت إلى إنجاز كتبه الأربعة حول نقد العقل العربي (التكوين، والبنية، والعقل السياسي، والعقل الأخلاقي).
النقد الثقافي، حسب الغذّامي، فرع من فروع النقد النصوصي العام، يُعنى بنقد الأنساق المضمرة التي ينطوي عليها الخطاب الثقافي بكل تجلياته وأنماطه وصيغه، ما هو غير رسمي وغير مؤسساتي وما هو كذلك سواء بسواء، ومن حيث دور كل منها في حساب المستهلك الثقافي الجمعي. وهو، لذا، معني بكشف لا الجمالي في النص، كما شأن النقد الأدبي، وإنما همه كشف المخبوء تحت أقنعة البلاغي الجمالي، فكما أن لدينا نظريات في الجماليات فإن المطلوب إيجاد نظريات في القبحيات، لا بمعنى عن جماليات القبح، مما هو إعادة صياغة وتكريس للمعهود البلاغي في تدشين الجمالي وتعزيزه، وإنما كشف حركة الأنساق وفعلها المضاد للوعي وللحس النقدي. ومن ثم فإن هذا النص، الذي لم يعد نصا أدبيا جماليا فحسب، لكنه أيضا حادثة ثقافية”، لا يُقرأ لذاته ولا لجماليته، وإنّما يعامل بوصفه حامل نسق أو أنساق مضمرة يصعب رؤيتها بوساطة القراءة السطحية، لأنها تتخفى خلف سحر الظاهر الجمالي. وهذه دعوة صريحة، تشكل أحد ارتدادات ما بعد الحداثة النقدية، إلى التعامل مع النص الأدبي بوصفه علامة ثقافية قبل أن يكون قيمة جمالية، لا تتحقق دلالتها إلاّ من خلال سياقه الذي أنتجها أول مرة (سياق المؤلف ، وسياق القارئ أو الناقد) الذي تلقاها بعد ذلك في سعيه نحو التفسير. ومهمة القارئ/ الناقد تكمن أساسا في الوقوف على أنساق مضمرة مرتبطة بدلالات “مجازية كلية”، وليس على نصوص ذات دلالات صريحة. وتخالف هذه الوظيفة، التي يؤديها النقد الثقافي، وظيفة النقد الأدبي القاصر الذي “أوقعنا في عمى ثقافي تام عن العيوب النسقية المختبئة تحت عباءة الجمالي”.
أما مواطنا الغذامي الناقدان سعد البازعي وميجان الرويلي فإنهما يريان، في كتابهما “دليل الناقد الأدبي”، أن النقد الثقافي، في دلالته العامة، “نشاط فكري يتخذ من الثقافة بشموليتها موضوعا لبحثه وتفكيره، ويعبّر عن مواقف إزاء تطوراتها وسماتها”، وأنه يمكن أن يكون مرادفا “للنقد الحضاري” كما مارسه طه حسين والعقاد وأدونيس ومحمد عابد الجابري وعبد الله العروي. وبذلك فإنهما يلتقيان مع عدد من المفكرين والباحثين العرب الذين يمزجون بين النقد الثقافي والنقد الحضاري.
إن المعضلة الكبرى التي يعاني منها النقد الثقافي العربي، في رأيي، سواء عند رواده أو عند الجيل الجديد، هي ارتهانه إلى منظور أيديولوجي في مقاربة النصوص الأدبية القديمة والحديثة، وبذلك فهو يبتعد عن طروحات الحداثة وما بعد الحداثة، عن قصد أو من دون قصد، عائدا بالأدب والنقد، كما يذهب بعض الدارسين، إلى الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي، أيام تغليب المضمون الأيديولوجي والتعويل على الوظيفة الاجتماعية للأدب التي تجلت في الواقعية الاشتراكية، ودعوة سارتر إلى الالتزام في مواجهة الأدب البرجوازي الذي يخفي عيوب الخطاب الرأسمالي.










