التعليم رسالة قبل أن يكون مهنة؛ برغم ما أصاب هذا المفهوم من بعض تشويش راجع لاختلاف طبائع بعض البشر وتفسيراتهم لبعض الأمور، إلا أنه سيبقى وإلى الأبد حاضرًا في نفوس وقلوب هؤلاء المعلمين المهتمين بأداء عملهم بكل جد وإخلاص، وإن اختلفت المعايير، أو شابت بعضها حالات من تخبط، وسادت بعض ساحاتها موجات من اختلاط متعمد سبق إعداده وفرضه؛ ليصبح هو الرائج والمعتاد، مثله مثل أغلب الموضوعات والأمور.
رسالة التعليم ما زالت بخير، فهناك من يعيش ليعطي، هناك من يشغله العطاء، يبقيه ويحييه، وهناك من يتنفس تضحية من أجل توفير أفضل النتائج. إنه يعلم جيدًا أن رسالة التعليم اشتقَّت وجودها وبسطت نفوذها منذ زمن بعيد، رأت فيه جزءًا من النبوة، فكل نبي معلم، وكل رسول حمل على عاتقه إيصال رسالته كاملة.
لقد اكتسب العلم شرائعه من لدن رب قدير، ربٌّ أمر بأن تكون حياة البشر تخضع وتسير وفقًا لمبادئ لا تتبدد أو تتغير، حتى وإن كنا نعيش في عالم يتآكل بفعل شتات يسعى لهدم كل ما هو ذو قيمة، محاولًا الإجهاز على كل معنى يدعو لتذوق الجمال وفهم معانيه، ويقاوم الرقي الذي كان يتوجب عليه اتخاذه سبيلًا، مسارًا يدور فيه، يعتبره هدنة يلتقط فيها أنفاسه ثم يعاود المسير.
كنت مُعلِّمة يومًا ما، كنت أتيه فخرًا بمهنتي التي أراها جزءًا من رسالة عظيمة، وإن كان البعض يسعى لكي يقلل من أهميتها مستكثرًا عليها هذا المعنى وهذا الوصف البليغ. كم سعدت بأني ممن ساهموا في التدريس لجيل عقب جيل، كانت تسعدني قصص الصغار وحكاياتهم، أذكرهم حينما كانوا يقتربون مني منادين لي باسم “ماما”، ثم يضحكون وأضحك معهم. إنهم لا يعلمون أني كنت أكثر الناس سعادة بهذا النداء وبهذا الخلط الجميل.
وبعد كل هذا العمر، ما زال يأخذني الحنين إلى أيام كنت أخفض فيها رأسي وأنحني لكي يضعوا بسلام قبلاتهم الرقيقة على وجنتيَّ مهللين، فرحين بقدومي إليهم. كنت أشعر بهم، أعيش مشكلاتهم وأعالج منها الكثير، كنت أحتضن فيهم الزهور، كأني كنت أحتضن البراءة بأكملها، كم كنت أسعد بكلماتهم المعبرة عن محبتهم لي، رسائل تحملها وريقات صغيرة تتناثر من حولي هنا وهناك، تملأ حقيبة يدي. كنت أعدهم بقراءتها وأفعل بعد عودتي للمنزل، أقرأها سريعًا لأؤكد لهم أهمية الأمر بالنسبة لي فأشكرهم بأسمائهم في اليوم التالي، وهذا ما كانوا يعدونه أعظم تقدير.
لن أنسى يومًا وجدت فيه تلميذي الصغير يدعوني أن أخفض رأسي؛ لأنه يود أن يهمس لي بسر، وبمفاجأة قد أعدها لي، ثم أخرج من حقيبته كتابًا وأخذ يفتحه ببطء لأجد بين صفحاته قطعة من الفطير، رفض أن يتناولها واحتفظ بها لأجلي، موقف بسيط لكنه عظيم، كأنه منحني بفعله هذا وسام استحقاق ووضع به فوق رأسي إكليلًا من الزهر. رفضت هديته لكني شكرته ورجوته ألا يضع الطعام بين صفحات الكتاب مرة أخرى، بعد أن أخبرته بأن هذا يشكل خطرًا على صحته. وكلما استعدت ذكرى هذا الموقف، وجدت فيه عزاءً عن ماضٍ جرف معه الصحة وأخذ من العمر كل هذا الرصيد.
كنت أتعجب حينما أشعر بالإرهاق قبل دخولي لفصلي، وبمجرد دخولي أجد نفسي كأنها تخلصت مما أصابها وتركته خارج الباب، حتى أنتهي من عملي لأعود وأتسلمه مضاعفًا أو يزيد. المعلم الحقيقي هو الذي يعمل من أجل إيصال أخلاق وتهذيب سلوك، يربي قبل أن يعلم، يعطي كما لو كان عطاؤه لا يخفت أو يغيب، لا يقل بل يزيد.
المعلم الحقيقي يصنع من بقايا روحه أجيالًا يباهي بها هذا العالم الذي لم يعد يهتم إلا بالماديات، يحطم الثوابت ويستنزف الآخرين. المعلم الحقيقي يمنح ويقتطع من نصيب سعادته ما يجعله بين العباد يفخر بعمله، عندما يتقبله الله ويجعله من الفائزين. إن هذا هو التقدير الذي ينتظر أن يحصل عليه ليكفيه ويفيض.










